الثلاثاء، 26 مارس، 2013

ما ذا بعد مقتل أسامة بن لادن؟/ أحمد الرواس

رحيل ابن لادن هل يحرر أمريكا من أغلال اللوبيات الصهيونية؟     بعد ما يقرب من 10 سنوات من المطاردة، و الجهود المخابراتية الغير مسبوقة ، و بعد إتفاق مآت الملايير من الدولارات، و قتل عشرات الآلاف من الأبرياء في أفغانستان، و بعد موت المآت من الجنود الأمريكيين ، يتم الإعلان عن مقتل أسامة بن لادن،صبيحة يوم الإثنين 2 ماي2011 الموافق 29 جمادي الأولى1432 في مدينة أبوت أباد  الباكستانية  قرب العاصمة إسلام أباد، و تظهر الاحتفالات و الابتهاجات التي عمت كثيرا من الساحات الأمريكية في نيويورك و واشنطن بقتل بن لادن مدى التعبئة  التي شحنت بها وسائل الإعلام الأمريكية  الشعب الأمريكي حتى خيل إلى كثير من أفراده أن كل مشاكله و تخوفاته من الإرهاب قد انتهت بقتل هذا الرجل. وا لواقع قد يكون غير ذلك فقد استطاع بن لادن و من يقوم مقامه أن يبث في أتباعه فكرا معاديا و محاربا لأهل الأديان و النحل الأخرى، و أخطر ما اقتنع به أصحابه هو تبرير قتل الأبرياء أيا كان دينهم، إن هم قد تواجدوا في موقع من يستهدفونهم من < الكفار> ، بل و تبرير قتل المسلمين العاديين ممن ينتمون إلى أي نظام معادي لهم أو يعترفوا بشرعيته و ينتظمون في سياسته و إدارته. و هذا الفكر المتمرد على كل القواعد، و الذي لا يعتد بأية مشروعية إسلامية غير تلك التي يتعلمها من زعمائه في قواعدهم الخفية، قد انتقل من فكر بن لادن و أيمن الظواهري و رموز فكرية أخرى إلى عدد غير قليل من أتباع بن لادن.





إن قتل بن لادن قد لا يكون انتصارا حقيقيا على ما يسمى #الإرهاب# ما دام هناك الالاف من أتباعه في أفغانستان و باكستان و غيرها من البلاد،و الذين كثير منهم على استعداد لإزهاق أرواحهم وأرواح كثير من الأبرياء في سبيل أهداف أقل بكثير من هدف الانتقام لمقتل زعيمهم الأوحد،أسامة بن لادن، و بالتالي فيخشى أن تظهر موجات إنتقامية من هذا الاغتيال،يذهب ضحيتها من لا ناقة له و لا جمل في هذا الصراع المستفحل، و الذي لا تزيده سياسة الغطرسة الأمريكية إلا استفحالا. قد تكون أمريكا قد نجحت في الانتقام من أحداث 9/11، و لكنها لن تنجح في إنهاء هذا الخطر المتربص بمصالحها و مصالح من يساعدها  ما دام لب المشكلة لم يعالج، و ما دامت السياسة الأمريكية  تجاه العرب و المسلمين في شأن احتلال أرض فلسطين تغلوا في الصلافة و الانحياز الكامل و الامشروط  للدولة العبرية. و ما دامت هناك أيادي من اللوبيات الصهيوأمريكية قوية تدفع بالسياسة الأمريكية نحو  دعم كل ما تقوم به إسرائيل من اعتداءات سافرة على المستضعفين الفلسطينيين.




قد حاولت بعض الجهات إلفات نظر أمريكا إلى معالجة جوهر المشكلة بدل التركيز الكلي على نتائجها و عوارضها الخارجية،كان منهم  الميلياردير الأمير طلال، لكن أصواتهم قد قمعت في ظل سياسة الصلف الأمريكي و التي دشن فصلها الأخير بوش بمبدإه العنجهي من ليس معنا فهو ضدنا.


لا أحد يجهل اليوم أنه لولا التحيز الغربي عامة و الأمريكي خاصة  للدولة اليهودية،و لولا التواطإ التام معها في الجرائم البشعة التي تقترفها ضد الشعب الفلسطيني المحتل، و تحصين أبشع الجرائم الإنسانية برفع مجن حق النقد الظالم ما كان هناك شيء إسمه القاعدة و لا الجبهة العالمية لمحاربة اليهود والنصارى. فقد لبث بن لادن دهرا من الزمان يعيش في مسالمة تامة للدول الغربية و الدول العربية،بل وكان يتلقى الدعم من الدول الغربية و من أمريكا بالذات في حربه ضد الغزاة الروس في عهد أحد أصلف الرؤساء الأمريكيين ألا و هو رولاند ريجين. لكن في الثمانينات و التسعينات زادت و تيرة بطش إسرائيل بالأبرياء في فلسطين و في لبنان،و ظهرت للوجود صور همجية و بشعة للمجازر الإسرائيلية في فلسطين و لبنان، فتوجه بن لادن أولا إلى إسداء النصح للساكتين من بعض دول الخليج و لا سيما المملكة العربية السعودية، و دعا أمريكا إلى وقف دعمها الفاضح لإسرائيل، فكان الجواب مزيدا من التضييق على حركة بن لادن مما اضطر معه إلى الرحيل إلى السودان من أجل استثمار امواله في الزراعة، لكن الضغوط الإسرائيلية و الأمريكية قد طاردته هناك مما دفعه إلى الرحيل بعد أن خسر عشرات الملايين في السودان دون جدوى، و في عهد بيل كلينتون أخذ بن لادن يتوجه في فكره نحو التطرف و المغالاة، بعد أن ضيق عليه الغرب كل الطرق و سد في وجهه كل المنافذ، و لم يترك له غير طريق المواجهة المصيرية! و بسبب سياسة الحصار التي انتهجتها أمريكا و حلفاؤها اضطر بن لادن أن يلتجئ إلى بلاد الأفغان التي كان قد تركها بعد أن هزم فيها الروس و آل الأمر إلى حركة طالبان بعد صراع مرير مع الفرقاء زعماء المجاهدين الأفغان.
هناك في بلاد الأفغان، و في شعابلها الوعرة أقام إبن لادن معسكرات التدريب و التحق به كل ناقم على نظامه أو متحمس لنصرة إخوانه في فلسطين أو في غيرها، و ربما خيل لابن لادن و زعماء القاعدة الآخرين، و هم يتحركون بحرية في ظل دعم دولة الطالبان، أنهم كانوا بذلك يؤسسون لنواة الدولة الإسلامية الحقيقة التي سوف تنطلق لغزو العالم و لفك الأسر عن المسلمين في فلسطين ، و تثوير من يحملون فكرهم في باقي الدول العربية التي اختصروها جميعا في دول عميلة للغرب و متواطئة مع هجمته العامة على الإسلام و المسلمين! و يخيل للمتتبع أن القاعدة بزعامة بن لادن قد غالت في رفع سقف أهدافها حتى أصبح العالم كله تحت ظله!
و إذا بابن لادن يتقمص خطابا عاما يتحدث فيه باسم الإسلام و المسلمين، و يخاطب الغرب و الشرق من عرش فسطاط الزعيم الأوحد الناطق باسم كل المسلمين! و قد كان لتلك الجرأة أثرها على كثير من البسطاء من المسلمين، فرأوه ناطقا بالحق الذي ليس دونه غير الباطل، و رأوا في جهابذة العلماء ممن يخالفونه الرأي مجرد وعاظ للسلاطين، و بدأت الهوة تتسع ما بين فكر بن لادن و أصحابه و بين الفكر الإسلامي العام الذي عليه عامة المسلمين. و لم يعد أتباع بن لادن يلقون أي وزن لأي عالم مهما نبغ في علمه و سما به ورعه، و وقع أصحاب هذا الفكر في نفس العنجهية و الغلو التي دعا  بها بوش : من ليس معنا فهو ضدنا!
هل تنتقل أمريكا و الغرب عامة بعد موت بن لادن الذي كون عند كثير منهم عقدة من مرحلة الصلف و العمى السياسي التي يدفعها نحو الانتقام و المضي قدما في الانبطاح أمام  رغبات اللوبيات الماكرة في واشنطن إلى موقف المتأمل للدواعي التي قادت العالم إلى كل هذا الدمار سواء في أمريكا أو أفغانستان أو العراق. 

هل تستفيق أمريكا من سكرتها و تفتح عينها على الأسباب الحقيقية التي أدت إلى كل هذه الكوارث التي أدى الأبرياء ثمنها دون ذنب جنوه سواء أولئك الذين قتلوا في البرجين في 9/11 أو أولئك الذين حصدتهم القنابل الأمريكية في جبال أفغانستان و مدنها و الباكستان و قراها من الأبرياء ؟ هل تستطيع أمريكا أن تتخلص من قيود اللوبيات الصهيونية فتعيد مراجعة سياستها المنحازة أبدا إلى لإسرائيل المعتدية؟ 



لو اعتدلت أمريكا في مواقفها، و نبذت سياسة الكيل بمكيالين تجاه العرب و المسلمين لوجدت المسلمين أكثر عدلا و أعظم حلما، فدين الإسلام –خلافا لما يروج له المغرضون و الجهال- يحث المسلمين على معاملة أهل الأديان الأخرى بمنتهى العدل و منتهى الإحسان و البر، و المسلمون جميعا يقرأون في كتابهم قول الله تعالى :

(عَسَى اللَّهُ أَن يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُم مِّنْهُم مَّوَدَّةً وَاللَّهُ قَدِيرٌ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ  إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَن تَوَلَّوْهُمْ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ)  و يقرأون في كتابهم الخالد قوله تعالى:  (لايجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا إعدلوا هو أقرب للتقوى).  و يعلمهم  الوفاء حتى مع المشركين حيث يقول: و إن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه مأمنه.  

 

0 التعليقات:

إرسال تعليق