الجمعة، 15 مارس، 2013

محاولة قتل السفير السعودي بين التصديق و التكذيب


عند الاطلاع على بعض تفاصيل المؤامرة الإيرانية يتكشف أمام العالم اليوم  مدى عدوانية  حكومة الملالي في إيران،و التي و إن كان من المبكر معرفة كل التفاصيل و التي سوف تعرض لاحقا إلا أن المتتبع للشأن الإيراني و المطلع على التركيبة العقلية و النفسية لحكام إيران لا يستغرب مطلقا أن تكون إيران صاحبة مثل هذه الأفعال الغادرة، فما كاد الناس أن يغفلوا عن المجازر الفظيعة التي تعرض لها الأبرياء في العراق من طرف إيران و عملائها في الحكومة الطائفية حتى استفاقوا على مؤامرة أخرى تحاك ضد إحدى دول الجوار و تنفذ في أمريكا من جانب طرف ثالث هو عصابات المخدرات في المكسيك.
طبعا لا أحد يتوقع أن تعترف إيران بفعلتها و قد جاء الرد الإيراني تماما كما عهده الجميع منذ أن ظهرت هذه الدولة للوجود : مؤامرة أمريكية، خطة صهيونية، فبركة مخابراتية، الوقيعة بين إيران و الدول الإسلامية و العربية , و غير ذلك من المفردات المكرورة التي سئمناها و سئمنا إسطوانتها المشروخة.
حديثي اليوم مع أولئك الأذكياء جدا! الذين يطلبون مزيدا من التمديد في الشخير العام من الغفلة تجاه حكام إيران. و الذين يتوهمون أن من علامة الذكاء السياسي الخارق المبادرة إلى تكذيب كل شيء يمس إيران أو حزب الله ، و اتهام كل ما يصدر عن أمريكا و الغرب بشأنهما بأنه مؤامرة تستهدف الثورة الإيرانية، و أن الكون كله قد اجتمع على محاربة إيران و يحاول تدميرها!!.و هكذا استطاعت إيران أن تهرب عبر الحدود عقلية المظلومية البكّائية التي تخفي في طياتها كميات مخيفة من الأحقاد التاريخية و الطائفية و القومية.
بمجرد أن أعلنت الولايات المتحدة عن إحباط محاولة اغتيال السفير السعودي في واشنطن حتى هرول بقية المخدوين بإيران إلى تكذيب الخبر والاندفاع إلى اتهام الغرب و الصهيونية و العملاء بمحاولة تدنيس إيران النقية في وهمهم من كل هذه المحاولات الخسيسة دون الالتفات إلى الأدلة المزعومة التي تقول عنها أمريكا بأنها أدلة دامغة. و راحت تعرض تفاصيلها على دول العالم حتى على غير حلفائها. و دون تكليف أنفسهم عناء استصحاب تاريخ إيران الحافل بمثل هاته المؤامرات و بما هو أخس منها.
وهذا الموقف أقرب إلى مواقف الغوغاء منه إلى موقف ذوي النهى و الحلم.فهو خلاف موقف التحري و التثبت الذي يوجبه المنطق،  و يفرضه  مقتضى العقل السليم، بله مخالفته لما يدعوا إليه الشرع الحنيف.
فقد قال القرآن الكريم :< يا أيها لاذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبإ فتبينوا> أي فتثبتوا و تحروا الحقيقة. و لم يقل فكذبوا و انفوا و استبعدوا . و في دلالة عظيمة على تحقيق العدل في الأرض و تثمين قيمته بين الأمم يقول القرآن الكريم: < و لا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا إعدلوا هو أقرب للتقوى >.أي يجب ألا تحملكم عداوتكم للآخرين بحق أو باطل على ألا تتحروا العدالة في أحكامكم و مواقفكم بل إن تحريكم العدل بكل حيادية مع أعدائكم هو أقرب طريق للتقوى و مراقبة الله.فأين نحن من هذه المبادئ القرآنية تجاه هذه القضية المستجدة؟
كان المطلوب أن ينظر هؤلاء في الأدلة التي يعرضها المدعي و التثبت من صدقيتها من عدمها قبل الاندفاع نحو النفي.
لكن طالما أن حديثي اليوم مع البقية الباقية من المخدوعين بإيران و الذين يرون في آلتها الإعلامية حذام التي إذا قالت أي قول صدقوها فإن القول  عندهم ما قالت إيران!! .فإنني أطرح أمام هذه الفئة التي غدت اليوم في انحسار كامل بعد فضيحة الموقف الإيراني من الثورة الشعبية في سوريا و تواطئها المخزي جدا مع سفاح سوريا.و دعمها له بالمال و السلاح لحصد أرواح الآلاف من شعب سوريا المستضعف. أقول لهم: تعالوا نحكّم العقل ساعة.
على أية أرضية تبنون  مبادرتكم إلى نفي كل التهم عن إيران؟ هل إيران في نظرتكم متورعة عن النزول إلى مثل هذا المستوى من الإجرام و الخسة في سياستها الخارجية؟ هل إيران في نظركم دولة يحكمها التقاة الورعون المتنزهون عن الدنايا و المؤامرات؟ و المتهيبون من سفك دماء مخالفيهم من الأبرياء؟
هل إيران في وهمكم دولة حريصة على دماء الأبرياء في العالم و تتقي سفكها ؟
ألم يسبق لإيران أن تورطت في كثير من محاولات الاغتيال فنجحت في بعضها و فشلت في بعضها الآخر ؟ألم تكن إيران وراء اغتيال شهبور باختيار الذي كان لاجئا في فرنسا ثم بعد ذلك قايضت فرنسا على تسليم القتلة الذين شاركوا في اغتياله بمختطفين فرنسيين في لبنان؟ ألم تستعمل إيران عملائها في لبنان في خطف عدد من الرعايا الفرنسيين و غيرهم من صحفيين و أساتذة و ممثلين للسلك الدبلوماسي في بيروت ثم بعد ذلك كانت إيران تفتح مع فرنسا و أمريكا قنوات المفاوضة على إطلاق سراحهم مقابل الموافقة على طلباتها من توريد السلاح و إطلاق سراح من ثبتت في حقهم الجرائم ؟ 
ألم تقم الحكومة الإيرانية بإطلاق سراح أنيس نقاش الذي نفذ الخطة الإيرانية في محاولة اغتيال شهبور باختيار؟ ألم تقم الحكومة الإيرانية بمحاولات عديدة لاغتيال بني صدر؟  ألم تقم إيران ببعث فريق من رجال مخابراتها لاغتيال شهبور باختيار فتم التسلل إلى مقر سكناه بعد ذبح الشرطي الفرنسي و قتل أحد الجيران و مرافق شهبور باختيار في غشت 1991 ثم استقل الجميع طائرة سويسرية إلى إيران ماعدا  الإيراني كيل راد الذي وقع غي قبضة السلطات الفرنسية قبل أن تبادله إيران بمدرسة فرنسية شابة اتهمتها إيران بالتجسس!؟
ألم تقم إيران بالتخطيط للقيام بأعمال إرهابية في حج 1986 عندما اكتشفت السلطات السعودية أن جميع ركاب الطائرة الإيرانية المتوجهة من أصفهان إلى مطار جدة كانوا يحملون في حقائبهم  المتشابهة كمية من مادة شديدة الانفجار ، و تبين بعد التحقيق أن الركاب الذين كان أغلبهم من الفلاحين البسطاء لم يكن لهم علم بالمؤامرة و لا بما تحمله حقائبهم التي وهبتها لهم الحكومة الإيرانية من متفجرات! فتم إطلاق سراحهم و السماح لهم بأداء فريضة الحج و تم استدعاء رئيس بعثة الحج يومها و هو آية الله كروبي و إطلاعه على المؤامرة و هو ما اعترف به هو نفسه  بعد سنوات من الحادثة، و بعد أن أصبح يعد من المعارضة ، كما اعترف بذلك أيضا أكثر من مسؤول إيراني بما فيهم حفيد الخميني ..حسين الخميني و الذي نشرت له صحيفة الزمان الإيرانية التصريح التالي: \ كان هناك قرار إيراني سري بتهيئة الأجواء لإيقاف الحرب، ولهذا الغرض تم التخطيط لعدد من الإجراءات لصرف الأنظار وتوجيهها بعيدا عن العراق والحرب، فعمدوا إلي إرسال مواد متفجرة إلي السعودية، وإلي مكة المكرمة تحديدا، (نحو خمسمائة كيلو غرام من هذه المواد) بإخفائها في حقائب الحجاج من دون علمهم (في كل حقيبة نصف كيلوغرامTNT)، وذلك لتفجير دار الحجاج الإيرانيين في مكة المكرمة).  
ثم بعد كل هذا التاريخ الحافل بالمؤامرات المبيتة،  و حرب الإبادة التي فاقت في فظائها جرائم الصرب ضد المسلمين و التي شنتها إيران على أهل السنة في العراق بواسطة فيلق القدس و فيلق بدر و جيش المهدي و غيرها من فرق الموت الشيعية و التي لم ينج من أتونها حتى الاجئين الفلسطينيين في العراق والذين لا تفتأ إيران تسوق صورتها المزورة بادعاء تماهيها مع أهدافهم فقتلت منهم هذه العصابات الآلاف، فمن مجموع حوالي 30 ألفا كانوا يسكنون بغداد لم يبق منهم سوى أقل من 10آلاف و الباقي إما قتل أو هجر، لا لشيء إلا لأنهم من أهل السنة. هل بعد كل هذا و أكثر ما يزال المخدوعون يثقون بهذا النظام و يتطوعون للفاع عنه دونما حجة أو بيان؟
على هؤلاء أن يدركوا حجم المآمرة التي تحاك ضد الأبرياء في محيط هذا النظام و يدركوا أن غطيط نومهم لن يصد المتربصين بهم بل يشجعهم على طمر رؤوسهم في وحل الانخداع.
ثم إنه يجب ألا نغفل على الحقائق البديهية في عالمنا، فأمريكا سواء اتفقنا معها أو اختلفنا، و بالرغم من كونها حبيسة النفاق لدولة الصهاينة في فلسطين المحتلة هي مع كل هذا  دولة لا يمكن أن تغامر بكل مصداقيتها و مصداقية رئيسها وكل وزرائها، على رأسهم وزير العدل، و مجلس نوابها إذا ما تم كشف كذب هذه القضية المزعومة. ثم إن أمريكا تقول إنها تملك أدلة دامغة و هو نفس التعبير الذي عبر به و زير الاستخبارات السعودية، ثم إن أمريكا كانت تتابع هذه القضية منذ الشهر السادس من هذه السنة بعد أن اكتشفت أول بوادر تلك المؤامرة من خلال أحد مخبريها المندس في صفوف عصابات المخدرات في المكسيك. و الكل يعلم مدى قدرة مراكز مكافحة المخدرات الأمريكية على الإيقاع بخصومهم و ضبطهم متلبسين صوتا و صورة. كما أن المتهم الأول في القضية و هو الإيراني المزدزج الجنسية أربابسيار و بعد أن اكتشف أنه كان يتعامل مع مخبرين أمريكيين الذين توهمهم أباطرة المخدرات في المكسيك أو يعملون لحساب مكافحة المخدرات قد أسقط في يده و أخذ يتعاوم مع السلطات الأمريكية طمعا في تخفيف مدى العقوبة ، فظل يتصل بالإيرانيين بطلب من FBI و هو ما زاد في توريط المسؤولين الإيرانيين، لأن كل اتصالاته كانت تحت إشراف المكتب الفدرالي FBI و بالتالي فإن هناك شبه اقتناع تام أن أمريكا استطاعت الحصول على ما تقول بأنها أدلة دامغة، و في خلال المراقبة قال المخبر الأمريكي للإراني إن خطة تفجير المطعم الذي يرتاده السفير السعودي قد يؤدي إلى قتل آخرين لا علاقة لهم بالموضوع فقال الإيراني إنهم-أي المسؤولين الإيرانيين- يريدون قتل السفير فإنقتل معه حتى 100 فإلى الجحيم!- التعبير الذي استعمله و سجل صوتا و صورة تعبير فاحش أعتذر عن نشره-.فلا يمكن لأي ملم بالسياسة الأمريكية أن يعتقد أن رئيسا أمريكيا سيظهر أمام العالم ليقول بأننا نملك أدلة دامغة على أية قضية ثم يتبين فيما بعد أن ذلك كله كان تزويرا، فكلنا يذكر الفضيحة الكبرى التي باء بها جورج بوش عندما زعم أن العراق كان يملك أسلحة الدمار الشامل معتمدا على بعد التقارير الاستخباراتية التي كان بعضها يرجع إلى رجال من المعارضة العراقية ، و بالرغم من أن بوش لم يزعم يومها أن أدلته كانت دامغة و كان غير واضح تماما في أجوبته، و بالرغم من أن صدام حسين نفسه كان يوحي للغرب بأنه يملك أسلحة الدمار الشامل و ظهر في إحدى المناسبات و هو يحمل في يده ما قال عنه إنه مجر السلاح، إلا أن ذلك شكل فضيحة كبرى ما تزال تلاحقه و تلاحق إدارته إلى يومنا هذا. و أطاحت بسمعة كثير من المقربين له أمثال ديك تشايني، و رامسفيلد، فهل يعقل بعد كل هذا أن يصرح باراك أوباما بتصريح واضح لا لبس فيه، و لا يستشف منه أية احتياطات معهودة في مثل هذه الحالات، و لا إبهام و لا تدليس أنه يملك أدلة دامغة على تورط مسؤولين إيرانيين في محاولة اغتيال السفير السعودي عادل الجبير إذا لم يكم بالفعل يملك هذه  الأدلة؟

0 التعليقات:

إرسال تعليق