الثلاثاء، 26 مارس، 2013

تغول إيران أمام تخاذل العرب/أحمد الرواس


أغمض العرب أعينهم في غفلة من الزمان ليجدوا أنفسهم أمام تغول إيران التي تكاد تقتحم عليهم ديارهم، و تجوس بمخابراتها و عملائها خلال ديارهم،و تستأسد بلهجتها على جموعهم، و تعامل دولهم و أحلافهم باستخفاف زائد، فالمسؤولون الإيرانيون يتصرفون كما لو كانوا قادة لدولة عظمى، و مسؤولين في إمبراطورية كبرى..تحلم ببسط نفوذها على كل من يجاورها مدفوعة بإيحاءات من خلفلية المجد الإمبراطوري الفارسي السابق،الممزوج بحلم الطوفان المذهبي  الماحق، فالخليج العربي أصبح خليجا فارسيا، و الجزر الإماراتية أصبحت سيادة فارسية، و البحرين أمست إقليما إيرانيا، و العراق أمسى حديقة البيت الأمامية، و سوريا وطأة لقدم سياستها الهجومية، و لبنان مكسب للأقلية الإمامية!و مرتعا لفرقتها العقائدية.و فلسطين مسرحا لسياستها الدعائية.و العالم العربي و الإسلامي سوقا تروج فيه لبضاعتها المذهبية، و ميدانا تنشر فيه غسيلها الفكري، و طروحاتها السياسية.

غفا العرب ردحا من الزمان فاستيقظوا على إيران و قد تغولت عسكريا، و أصبحت صناعتها االحربية تفرخ الصوارخ من كل الأنواع و الأحجام و المدى، و تنتج من القنابل و العبوات ما يزيد عن حاجتها الدفاعية، و تنتج الزوارق العسكرية و السفن الهجومية ، و تكاثرت مناوراتها في مياه الخليج حتى غدت شأنا أسبوعيا و كأنها تستعد لخوض غمار حرب عالمية. و أغلب عناوين مناوراتها البرية و البحرية و الجوية تحمل عناوين طائفية مثل مناورة الولاية، و إمام الزمان، و المهدي المنتظر، و ولادة أنوار الولاية،و الغدير…إلخ
الأخطاء القاتلة:
ربما يمكن التميز بين 4 أخطاء فادحة ارتكبها العرب- خصوصا دول الخليج - أدت إلى هذا الوضع المهدد في المنطقة:
أول هذه الأخطاء كان تعاطي كثير من دولهم مع الغزوالأمريكي للعراق، و قبولهم العملي به، فعل العرب ذلك كإجراء إنتقامي ضد صدام و نظامه، فهم  لم يستطيعوا نسيان غدر صدام بدول الخليج في غزوه الأحمق للكويت، و حب انتقامهم أفقدهم التوازن في رؤيتهم السياسية للمستقبل، فغامروا بمستقبل العراق و اقتراب الخطر الإيراني إلى حدودهم الشرقية مباشرة، و هذا الخطأ يعتبر من الأخطاء التاريخية المميتة، ذلك أن اليد الإيرانية في تلك الحرب المدمرة كانت مكشوفة و واضحة، فقد جاء الغزو الأمريكي المدمر بعد تواطإ مكشوف مع مراجع الشيعة و ما حولهم من أتباع و ما كونوه من جبهات معارضة و فيالق عسكرية شيعية في إيران، فالمعارضة الشيعية العراقية هي ربيبة إيران، بل و إنتاج إيراني خالص، و مع أولئك المراجع و ممثليهم كانت المخابرات الأمريكية و البريطانية تنسق من أجل إنجاح غزوها المدمر للعراق الذي اعتبره العرب ردحا من الزمان حارسا للبوابة الشرقية للوطن العربي، و لا أحد  ينسى تلك الفتوى التاريخية التي أصدرها السيستاني الإيراني الأصل و المرجع الأعلى للشيعة في العراق، و التي حرم فيها المقاومة ضد جيش الاحتلال! و قد كان أول من روج لهذه الفتوى الشيعية وزير الحررب الأمريكي رامسفيلد الذي كان يكثر من عبارة : الأغلبية الشيعية في العراق!  و هكذا فبدل أن يقف العرب صفا واحدا ضد ذلك الغزو و ضد التدخل الإيراني السافر في  العراق المصاحب للغزو الأمريكي، فقد تغاضوا عنه طامعين –ربما- في وهم العداء الأمريكي لإيران الذي علقوا عليه آمالهم في صد إيران عن مرتعها في العراق، متناسين أن الغزو نفسه ما كان لينجح لولا التواطإ الإيراني في صورة المعارضة الشيعية و التي جعلت من مهمتها الأساسية القضاء على المقاومة العراقية و محاصرتها إعلاميا و عسكريا، و متناسين أن كلا من هاشمي رفسنجاني و علي أبطحي- نائب الرئيس الإيراني- قد سبق و صرحا بقولهما أنه لولا إيران لما نجحت أمريكا في احتلال العراق و لا أفغانستان! ، و هكذا سمح العرب ممثلين في جامعة الدول العربية لإيران بأن تعيث في أرض العراق فسادا و إرهابا، حيث أطلقت العنان للحرس الجمهوري و قوات القدس و فرق الموت الشيعية مثل جيش المهدي و قوات بدرالتابعة لأكبر تجمع للمعارضة الشيعية التي تدعمها إيران،الذي كان اسمه المجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق و الذي تعاقب على رئاسته آل الحكيم، و هذه التسمية جاءت تيمنا من المعارضة الشيعية بعبارة الثورة الإسلامية في إيران. و قامت هذه الجماعات الشيعية المدعومة إيرانيا بتصفية ليس المقاومين للاحتلال الأمريكي فحسب، بل بتصفية مذهبية مكشوفة أدت إلى قتل عشرات الآلاف من أبناء السنة، و إجلاء مآت الآلاف منهم عن مناطقهم و دورهم و مزارعهم لصالح زحف الشيعة ، و لم تستثن إيران حتى الاجئين الفلسطينيين فأبادت منهم الآلاف- حسب منظمات دولية حكومية و غير حكومية-.
لقد سجل التاريخ صمت جامعة الدول العربية عن كل تلك الجرائم، و تماهيها مع المشروع الأمريكي-الإيراني في تمكين حلفاء إيران من السيطرة الكلية على العراق، و بعد أن فات الأوان تفطنت بعض الدول كمن يستيقظ على أذان المغرب! أن أمريكا قد سلمت العراق إلى إيران على طابق من ذهب!!و هم الذين كانوا شهودا على كل تلك الفصول المتلاحقة لتلك المؤامرة.
الخطأ الثاني:  يتمثل في مسارعة الدول العربية بالاعتراف بدولة العراق التي كونها الاحتلال، و فتح سفاراتها في بغداد مما أضفى مزيدا من المشروعية على ذلك المشروع الأمريكي- الإيراني. مع ما يحمله هذا الاعتراف المجاني من التأسيس لسابقة خطيرة تتمثل في شرعنة ما تنشئه الدول الاستعمارية من كيانات عميلة لها في منطقتنا العربية و الإسلامية، بينما الغرب لحد الساعة لا يعترف -مثلا- بالجزء التركي من جزيرة قبرص بحجة استرجاع تركيا لذلك الجزء عن طريق الغزو! و أغلب الدول العربية تعترف بالجزء اليوناني و لا تعترف بالجزء التركي!.و الغريب أن الدول العربية و الخليجية على الخصوص قد اعترفت بتلك الانتخابات العراقية الصورية التي وقعت تحت نير الاستعمار الأمريكي-الإيراني مع أن كثيرا من هذه الدول لا تعرف الانتخابات التشريعية و لا الرئاسية!
الخطأ الثالث: هو عدم دعم الدول العربية للمقاومة السنية في العراق، و خذلان أهل السنة و هم يواجهون حرب إبادة من الجماعات الإيرانية، و تركهم يواجهون مصيرهم لوحدهم، و قد أدى هذا الوضع إلى تهميش أهل السنة في العراق و إبعادهم عن مراكز القرار و دفعهم إلى الصفوف الخلفية على حساب السيطرة الكاسحة للتكتلات الشيعة، و هيمنتهم على وزارات السيادة من الداخلية و الدفاع  و الخارجية، بل ودفعوا بعيدا عن كل المواقع المهمة و المؤثرة، و تعرض عدد كبير من ذوي الكفاءة من أبناء السنة من السياسيين و العلماء و الخبراء إلى التصفية الجسدية و الاضطهاد العلني و السري والإحصائيات تتحدث عن أكثر من 3200 عالم عراقي تم اغتيالهم بتخطيط من إيران حسب أكثر من مصدر متابع داخل العراق و خارجها،  مما حدا برئيس كتلة التوافق السنية عدنان الدليمي إلى أن يطالب الحكومة العراقية في جلسة برلمانية  بمنح أهل السنة الذين يشكلون نصف سكان العراق تقريبا حقوق الأقلية اليهودية! و أن يمنحوهم حق الحياة كما منحوها لليهود في العراق! هذا الوضع أصبح معه أهل السنة في موقع ضعيف مهمش و محفوف بالمخاطر من كل جهة في الدولة العراقية الحالية. و لمن يرغب في الاطلاع على الدور الإيراني الخفي في قتل العلماء العراقيين و ذوي الكفاءات العليا فاليقرأ دراسة قمت بها منشورة في هذه المدونة تحت عنوان: دراسة عن الدور الخفي لإيران. صفحة 611.
الخطأ الرابع:  يتمثل في عزوف أغلب الدول العربية -خصوصا الخليجية منها- عن التوجه نحو سياسة التصنيع، سواء المدني أو العسكري و كأن أمر الصناعات المدنية و العسكرية لا يعنيها،معتمدة بالأساس على استيراد حاجاتها من دول أخرى أعطتها أم منعتها،مما يجعل منها –خصوصا في وجه المتربصين الطامعين دولا ضعيفة متخلفة، مع العلم أن كثيرا من هذه الدول تملك إمكانيات مالية هائلة يمكن أن ترفعها إلى مصاف الدول المصنعة لو توفرت الإرادة الحقيقية. لكنها تستعيض عن كل ذلك بالاعتماد على بعض الأحلاف التي تنشئها مع بعض الدول الكبرى، أصبحت معه مرتهنة إلى وفاء تلك الدول بالالتزاماتها الدفاعية و واقعة تحت رحمة بقاء تلك الدول على تحالفها و تعهداتها السرية و العلنية، لكن التاريخ السياسي الحديث لهذه الدول يعلمنا أن أمريكا أو غيرها من دول الغرب مستعدة دوما للتلاعب بتلك الأحلاف و اللعب ببطاقتها في المساومات السياسية و الألاعيب الاستراتيجية، فقد سبق أن تسربت أنباء عن إيحاء أمريكي لصدام بعدم اكتراث أمريكا بغزوه للكويت عن طريق سفيرته في بغداد يومها السيدة إيريل جلاسيي في لقائها المطول مع صدام يوم 25/6/1990 ، و قد كشفت وثائق ويكيليكس الحوار كاملا.و فيه توحي السفيرة الأمريكية لصدام بأن أمريكا لن تتدخل في خلافات العراق مع جيرانه و تقول بأن أمريكا تعرب عن قلقها لنقل العراق لقواته إلى الحدود مع الكويت لكن هذا القلق لا يعني التهديد بالتدخل العسكري الأمريكي في تلك الخلافات! و قد التقط صدام الطعم و مضى في خطة غزوه للكويت و هي ما كانت أمريكا تسعى لأن يتورط فيه العراق من أجل تنفيذ خطة تدميره بعد أن رأت فيه متمردا على قوانين اللعبة ! 
أمام هذه الأخطاء القاتلة تستيقظ دول الخليج لتجد نفسها أمام تغول إيران و استعلائها ، و استفزازها حتى قبل أن تنجح في صنع قنبلتها النووية، فهل تستمر الدول العربية في نهج هذه السياسة المتقادمة، و الغير مواكبة لتطور إيران العسكري و زحفها الاستراتيجي على محاور العراق و سوريا و لبنان و البحرين؟!أم أنها ستنتهج سياسة جديدة تحفظ للعرب مستقبلهم في هذه المنطقة الحيوية من العالم ، إن قررت الدول العربية ذلك فستجد فيما تشهده ساحة العالم العربي من توق نحو الانعتاق و التقدم و إحلال العدل و القانون في ربوعه  خير معين على تبوإ الأمة لمكانتها الحضارية الرائدة، فقد لاحظ الجميع انكماش الدور الإيراني بل وافتضاحه شعاراته الطائفية تماما أمام مسيرة التغيير الذي تشهده الساحة العربية،و افتضاح معايير الازدواجية لإيران و عملائها و حلفائها في المنطقة، فبعد تمثيل دور المؤيد للثورات العربية إلى الحد الذي زعمت فيه إيران أنها من وحي الثورة الإيرانية، إلى التكالب على هذه الثورة في سوريا و نعت شهدائها بالعملاء و الخونة! و لست أدري و لاالمنجم يدري كيف تكون الثورة الثورات العربية في تونس قد استلهمت من الثورة الإيرانية و هذه الدول أبعد ما تكون عن النفوذ الإيراني، بينما في سوريا الحليف الإيراني الرئيسي في المنطقة لا تستلهم فيه الثورة من إيران بل من أعداء الإسلام و عملاء إسرائيل و أمريكا!!

 في 7 مايو 2011

0 التعليقات:

إرسال تعليق