الأربعاء، 27 مارس، 2013

محاولة سرقة الثورة التونسية/أحمد الرواس



 
تونس إلى أين؟ حذار من سرقة الثورة

كل الخيرين في العالم استبشروا خيرا بهروب الطاغية و زوجته و أفراد أسرته التي عاثت في تونس فسادا، و كل الأحرار في العالم فرحوا لنجاح الشعب التونسي في إزاحة الطاغية و تحديه و تحدي جلاوزته الذين سفكوا دماء الأبرياء من الشعب التونسي الشجاع، لكن هذه الثورة أريد لها أن تتوقف قبل إنهاء الأمتار الأخيرة من مسيرة ألف ميل التي قطعها الشعب في وقت قياسي، و الذي لم تفلح كل الحيل و الخداع المبطن بالتهديد و الوعيد من الرئيس الهارب في ردع مسيرة هذا الشعب و ثورته العظيمة.
الظاهر الآن بكل وضوح أن أركان الحكم الاستبدادي السابق من أعضاء حزب التجمع الدستوري الديمقراطي الذي جاء ليناقض كل مفردة من مفردات عنوان هذا الحزب الطاغوتي فهو جاء ليفرق الشعب التونسي و يقضي على وحدته، و جاء منتهكا لكل حق تكفله الدساتير لشعوبها من حق و حرية و كرامة و هو أخيرا جاء لينهي أي مظهر من مظاهر الديمقراطية في تونس. فقد حول تونس إلى دولة الحزب الواحد الذي يحكم بالحديد و النار، و يزج بالمآت من الأحرار في غياهب السجون، الظاهر أنهم خططوا في عجالة للالتفاف على ثورة الشعب كي يعودوا بنفس الوجوه الذميمة إلى الحكم في تونس، و كل ما يقال و يشاع من عهد جديد في تونس إن هو إلا تغيير في مواقع و واجهات الحكومة الماضية. و تغيير المهام للوزراء السابقين في لعبة تبادل الأدوار ، و هم يحتاجون إلى مزيد من الوقت أملا في هدوء ثورة الشعب، و رجوع أفراده إلى دورهم كي يتمكن أفراد الحزب الحاكم السابق من تنظيم صفوفهم و التواصل فيما ببينهم كي يحشدوا آلياتهم و إعادة توجيهها للاستمرار في الحكم.و لذلك لم يترددوا في انتهاك البند ال 57 من الدستور التونسي الذي ينص على ضرورة تنظيم انتخابات  رئاسية لأجل أدناه خمسة وأربعون يوما وأقصاه ستون يوما عند شغور منصب رئيس الجمهورية لوفـاة أو لاستقالة أو لعجز تام. بدعوى عدم كفاية الوقت. بينما يلاحظ تشبث بيادق النظام السابق بالدستور العفن عندما يتعلق الأمر بالسماح لرئيس أكبر حزب معارض، و أجرئه على انتقاد استبداد بن علي، و رئيس أكثر الأحزاب تعرضا للمعاناة و التعذيب، ألا و هو الشيخ راشد الغنوشي، رئيس حزب حركة النهضة التونسي، إذ تبجح رئيس الوزراء الحالي و أحد رموز العهد السابق محمد الغنوشي -الذي أصبح بموجب لعبة دبرت بليل- رئيسا للوزراء! أنه لن يسمح له بدخول بلده قبل إصدار عفو عام استنادا لنفس القانون الذي ينتهكوه إن عارض مصالحهم، و يذعنون له إن حافظ عليها !! و هذا في واقع الأمر مؤشر قوي يظهر بجلاء النية السيئة و المؤامراتية لهذه الطغمة التي تريد سرقة ثورة الشعب و السباحة في دماء شهدائه للوصول إلى مبتغاهم في التسلط على هذا الشعب مرة أخرى! فلبئس رئيس الوزراء هو و لبئس ما تحته من وزراء.
و مما يدل على النية السيئة المبيتة  لطغمة النظام السابق في الاستيلاء على ثورة الشعب والالتفاف عليها أن محمد الغنوشي  اعترف لقناة فرنسية ثم لقنوات عربية بإجراء اتصال بينه و بين الطاغية بن علي الذي استفسره عن الأوضاع! و السؤال هو: لماذا يسعى الديكتاتور إلى الاتصال برموز نظامه السابق إذا لم يكن يعلم مدى توافقهم معه، و تعاونهم مع نظامه المستبد طيلة العهد السابق، إن الناس تلتجئ إلى  أعز أصدقائها في أوقات المحن، و بن علي لم يتصل بغنوشي النهضة و لكنه اتصل بغنوشي الحزب الدستوري ، جهاز نظامه السابق. و بدلا من أن يعنفه الوزير و يصرخ في وجهه، قال بأن أخلاقه لم تكن تسمح بأن يغلق الهاتف في وجهه.! و لكن السؤال: كيف سمحت أخلاقه الباسقة ما شاء الله أن يتواصل مع من أراق دماء الأبرياء، و نهب البلد و حولها إلى زريبة و ضيعة له ولأهله و حاشيته، ما الشعب التونسي فيها بالنسبة له و لأفراد عائلته إلا كالعبيد الذين لا يحق لهم غير العمل لمصلحة النظام.
كيف سمحت له أخلاقه أن يتواصل في ود وأدب مع من خلف وراءه أجهزة المخابرات، و الشرطة الرئاسية تنهب المواطنين و تقتلهم بل و تستهدف حتى أفراد الجيش الوطني. فبأي معيار من الأخلاق يزن به هذا البيدق أفعاله و تصرفاته!’؟
على الشعب التونسي أن يدرك أن أسوأ السرقات في التاريخ هي سرقة الثورات و دماء الشهداء، فكم من ثورة ضحت بالآلاف  من الشهداء و سيول من الدماء، ليلتف عليها شرذمة من المتلصصين و الانتهازيين، فما هي إلا أن تهدأ الأمور و يركن الناس إلى بيوتهم ليعيشوا مع أحلامهم الوردية في العهد الجديد الذي دشنوه بدماء و أشلاء الشهداء، حتى تبدأ رؤوس الانتهازيين الوصوليين تبرز على سطح الواقع الجديد كأنها رؤوس الشياطين! و ليس بعيدا عن تونس ثورة الجزائر الأولى ضد الاستعمار الفرنسي و الثانية ضد الجنرالات الفاسدين، فانتهت الأولى بصعود جينرالات موالين للمعسكر الشرقي و بنو دولة الحزب الواحد: حزب جبهة التحرير الوطني الذي ملأ السجون و ضيق على البلاد و العباد، و تبنى أطروحات خلق الفتن ضد الجيران بدعوى محاربة الإمبريالية و الرجعية، و اتسم أولئك الجينرالات بالقسوة و عدم الرحمة حتى إن أحدهم-و من أجل خلاف مع دولة جارة ملاصقة لحدوده- قام بإجلاء كل من يرجع أصله لتلك الدولة في ظرف أيام، ففرق بين الزوج و زوجته، و بين الأب و أولاده وبين الأم و أولادها و جردهم  من كل ما بنوه و كسبوه في الجزائر، و ألقت بهم المركبات في الحدود كما تلقى النفايات في همجية قل مثيلها في التاريخ، و لا يوجد لها شبيه إلا فيما فعله الديكتاتور الشيوعي ستالين عندما قام بترحيل الشعب القوقازي المسلم  في غياهب سيبيريا و فرض عليهم العيش في أقسى المناطق على وجه الأرض، مما  أدى بالآلاف منهم إلى أن يموتوا في الطريق و آلاف أخرى ماتت في جو سيبيريا القاتل.
و في الثورة الثانية 1989 ، و بعد أن قدم الشعب مآت الشهداء و فازت الجبهة الإسلامية للإنقاذ تم الالتفاف عليها بعد فترة هدوء انتقالية استعاد النظام السابق فيها تنظيم صفوفه فألغى بكل تعسف نتائج تلك الانتخابات الشعبية و دفع بالبلاد و العباد في أتون حرب وفتن داخلية معقدة لا تزال تعاني البلاد من ويلاتها إلى اليوم. و عاد العسكر للحكم في الجزائر، و عاد النهب و السلب لخيرات البلاد، و بقي الشعب الجزائري المستضعف يرزح تحت وطأة الفقر و العوز و البطالة ، و الظلم و التهميش و القمع للحريات. رغم أن الجزائر تعد من أغنى الدول.
هذه الحقائق المرعبة يجب ألا ينساها الشعب التونسي ، و يجب أن يحسب لها ألف حساب. فالثورة في الأصل لم تكن على شخص واحد اسمه بن علي ، بل كانت الثورة ضد نظام الحكم القمعي الدكتاتوري  بأكمله، و ضد كل الذين كانوا يشاركون في تلك الحكومة المستبدة، خصوصا من كان منهم في الوزارات السيادية.على الشعب التونسي البطل ألا يسمح لجلاوزة النظام السابق أن يمثلوه في أية حكومة مستقبلية، فهم اليوم يعيشون أسوأ أيامهم بعد فرار سيدهم  و الذي كان عليهم أن يلتحقوا به ، و يعيشون  أضعف حالتهم  بعد أن ثار الشعب على نظامهم الذي كان يحميهم ، و لكنهم إن سكتم عليهم و تركتموهم و ما يخططون له  فسينتهي بكم الأمر أسرى في أيديهم ، و تأكدوا أنهم-لا قدر الله- لو تمكنوا من رقابكم التي كادت أن تتخلص من حبال مشانقهم، لو تمكنوا من رقابكم فسوف يذلونكم و ينكلون بكم كتنكيل زعيمهم الهارب- و الذي يطمع أن يعود ما دام حلفاؤه و جلاوزته السابقين ما يزالون يحتلون الحكم، و ما يزال نفس الوزراء الذين نصبهم هو و زوجته السارقة و الذين كان قد أطلق أيديهم في ممتلكات و رقاب الشعب التونسي هم نفس وزراء ما سمي بالحكومة الانتقالية. بل أكثر من هذا و في خطوة لها نفس الدلالة التي أؤكد عليها فقد بقيت وزارات السيادة ذات الأهمية المصيرية في أيدي  نفس الأشخاص الفاسدين من العهد السابق ، فأشخاص مثل: كمال مرجان وزير الخارجية
وأحمد فريعه وزير الداخلية، وعلي قريرة وزير "الدفاع" و رضا شلغوم وزير"المالية" هؤلاء الأشخاص و غيرهم هم في واقع الأمر رموز للنظام السابق، إلى جانبهم- طبعا- رئيس الوزراء محمد الغنوشي الذي احتفظ بمنصبه في هذه الحكومة " المهزلة". هؤلاء كان عليهم أن يرحلوا مع سيدهم. و على الشعب التونسي ألا يكتفي برفض تولي مثل هؤلاء الأشخاص لأي منصب في أية حكومة في تونس، بل يجب أن يهيئ ملفات لمحاكمتهم كمسؤولين و كبنادق و سياط في أيدي النظام القمعي اللصوصي السابق.
ستكثر المناورات من هذه الطغمة، فمرة يدعون بأنهم كانوا معارضين سريين لنظام بن علي الغادر، و مرة يزعمون أن أيديهم نظيفة، و مرة يتذرعون بكونهم كانوا تحت ضغط هائل كما زعم محمد الغنوشي هذا المساء محاولا التنصل من تبعات عضويته في الحكم السابق. و آخر هذه المناورات التي أسمعها و أنا أكتب هذا المقال، أن حلفاء بن علي السابقين الذين تتشكل منهم حكومة المهزلة قد ألغوا عضوية بن علي من الحزب الدستوري، محاولين بذلك تطهير الحزب من ثلمة بن علي في محاولة لتلميع صورة الحزب كمبادرة من الحرس القديم لبدء عملية إعادة الاعتبار للحزب الدستوري السيء الذكر في رحلة تلميع ستستغرق 6 أشهر قبل الانتخابات.
ليلة البارحة كنت في نقاش مع أحد أصدقائي ذي الخبرة العالية في مجريات الأمور في مختلف بؤر التوتر في لعالم العربي و الإسلامي،و ذي قدرة ملفتة على استحضار الوقائع و التحليل السياسي،الأخ عبد النبي العمرتي أعرب لي عن تمنيه من الشعب التونسي و مثقفيه و مناضليه بالخصوص أن يتفطنوا إلى خطورة المرحلة التي يجتازها الشعب ، كما أعرب لي – و هو يناقش ما طرحه السيد راشد الغنوشي في برنامج  غسان بن جدوا على فضائية الجزيرة أنه كان يتمنى من راشد الغنوشي أن يطرح على الشعب التونسي و فعالياته الاجتماعية و السياسية خطوات و خطط عملية لصيانة ثورة الشعب التونسي و دماء شهدائه، كأن يدعو مثلا إلى تشكيل لجنة لصيانة المكتسبات الشعبية تتكون أساسا من المثقفين و المناضلين في الداخل و الخارج، و أعيان البلد من المصلحين و النظيفي الأيدي، و زعماء الأحزاب التي نالت شرف مقاومة النظام البوليسي لبن علي  بحيث تفرض على أية حكومة مطالب الشعب، و وقايته من عودة رموز العهد البائد و أن لا تقطع أية حكومة أي قرار سيادي أو ذي شأن إلا بالاستشارة معها و موافقتها إلى أن يشكل الشعب التونسي حكومته الوطنية الممثلة لكل القوى الحية من المناضلين و المصلحين الذين لهم غيرة على هذا الشعب المسلم و الذين لا يهدفون إلى مسخه من تجريديه من مقوماته الدينية و الحضارية و يفصلونه عن منطقته في هذا الجزء المهم من العالم الإسلامي الكبير. فاستحسنت الفكرة ،  و رغبت في تضمينها لهذا المقال لعل الله ينفع بها من يقرؤه.  

في 19 يناير 2011


3 تعليق على “محاولة سرقة الثورة التونسية/أحمد الرواس”

  1. لكل من اراد ان يعرف مجريات الامور في تونس هذه ضالتكم
  2. العاقبة لديكم يا أهل المغرب
    مشكور
  3. شكرا على مرورك
    لقد زرت تونس مرتين في عهد بن علي، و وقفت بنفسي على مستوى القمع للحريات هناك، و خبرت بنفسي تصرف كثير من أفراد الشرطة و الجمارك، كما لمست بنفسي كيف أن التنمية كانت تخص مناطق معينة السواحل السياحية بالخصوص، مع العلم أن تونس دولة صغيرة مساحة و سكانا و بالنظر للملاءمة الطبيعية و العملة الصعبة التي كانت تحصل عليها تونس فإن الشعب التونسي من المفروض أن يعيش في ظروف أفضل بكثير ثم إنه ليس بالطعام وحده يحيى الإنسان بل أهم شيء هو الحرية الملتزمة، و التي لم يكن لها وجود في تونس، فقد أقدم بن علي و من كان قبله بمنع الحجاب و التضييق على المخلصين لدينهم و الزج بالآلاف في غياهب السجون…. و أنت إن كنت تونسيا لا شك تعلم أكثر مني .لكني كمغربي أؤكد لك أن الأمر مختلف هنا كثيرا، فالحريات الدينية بابها مفتوح على مصراعيه، و الناس أحرار في لباسهم و هندامهم، و كذلك أحرار في تنقلاتهم، و هناك دروس الوعظ و الإرشاد في كل مكان والتي ما تزال تتسم بهامش واسع من الحرية، و الوضع الاقتصادي عرف تحسنا في السنوات الأخيرة، و قد بنيت هنا مشارع عملاقة واستراتجية، فالمغرب يعد من الدول الرائدة في بناء السدود،واستصلاح الأراضي، و قد انطلق مشروع عملاق للمغرب الأخضر يستهدف الرفع من مردودية الفلاحة، و تقريبا لا وجه للمقارنة ما بين العهد القديم منذ 11سنة و الوضع الجديد.
    و إن كنت لا أنكر أن مظاهر الفساد الإداري ما تزال ملاحظة على نطاق واسع، نرجو أن يتنبه المسؤولون إلى محاربة المرتشين و المفسدين الذين إن استفحل أمرهم أضروا بالبلاد و العباد و من يحكمهم .و شكرا جزيلا

0 التعليقات:

إرسال تعليق