الجمعة، 29 مارس 2013

من معاني فوز حركة النهضة الإسلامية في تونس -أحمد الرواس-


لم يشكل فوز حركة النهضة في انتخابات المجلس التأسيسي  في تونس مفاجأة كبيرة للشعب التونسي إلا في النسبة العالية التي حصلت عليها و ذلك ليقينهم أنها ما تزال تحظى بشعبية كبيرة في كل أنحاء تونس بالرغم من التشويه الدائم و المستمر و الذي مارسه عليها النظام البوليسي الذي حكم تونس طيلة 23 سنة.و ما يهمني في هذا المقال  هو التأكيد على أن القمع و العنف و السجون لا يمكن أن تنجح في قمع التطلعات عند أي شعب من الشعوب، و لا يمكن أن تشوه صورة ما إلا عند الذين هم متماهون مع النظام القمعي أصلا لأنه في الواقع يجسد طموحاتهم و يشبع أحقادهم على جهة ما. و مثل هؤلاء ما يزالون في تونس و لم يرحلوا مع بن علي، فمن تاب منهم قد تاب بعد أن رآى الآيات البينات و من ما يزال على أيديلوجيته الحاقدة و فكرته الاستئصالية هو اليوم يبحث له عن دور يلعبه و يعرب فيه عن نلك الأفكار الاستئصالية و إن كان قد بدل في الأسلوب و غير، و يحاول أن يتقمص أحزابا جديدة تخفي عنه مسوح العار الماضي الذي باءو به في التأييد المطلق لاستبداد بن على.و أسطع مثال واضح هو موقف نبيل القروي صاحب قناة نسمة التي أنتنت جو التونسيين النظيف بروائح الكراهية و المقت لكل ما هو إسلامي أصيل.و صدمت مشاعرهم بصور الرذيلة المقززة، و اليوم ينقلب صوريا على العهد القديم 180 درجة و يبقى وفيا لعقلية الإقصاء و يتخذ طرقا غاية في الخسة لقمع تطلعات الشعب التونسي المجيد. كاستضافته لمنافقي النظام السابق و إبراز صورهم تغليبا لهم على وجوه الشرفاء من المعارضين لابن علي ، و كذا عرض أفلام تشوه صورة الإسلاميين في نظر المجتمع، و تلمزهم جميعا بما هم منه براء كعرض الفيلم الإيراني :بلاد فارس الذي يسخر من الدين الإسلامي و من الشباب المتدين و الذي أثار ضجة كبرى في تونس.

فالشعب التونسي المسلم لم تفلح معه عقود من سياسة التضليل التي كانت تمارسه آلته الإعلامية ضد التوجه الإسلامي لحزب النهضة، و لم تفلح معه سياسة الترهيب من التعاطف مع أتباع هذا الحزب المناضل الصبور ، وقد بلغ من قسوة نظام بن علي و حقده  أنه كان يخرب بيت كل من ثبت عنه تعاطفه مع أحد من أفراد هذا الحزب، أو قدم مساعدة لذوي أحد ممن زج بهم في السجون. و قد أخبرني صديق تونسي يعمل طبيبا في فرنسا أن أحد جيرانه تأسف لعائلة أحد المسجونين ظلما في عهد الطاغية بن علي والتي بقيت دون معيل ، و قد كان السجين هو عائلهم الوحيد فكان من حين لآخر يقدم لهم بعض المساعدة لسد حاجاتهم الضرورية فرصدته الشرطة السرية فألقت عليه القبض و حوكم صوريا و رمي في السجن ليقضي 8 سنوات ظلما و جورا.
إن حركة النهضة الإسلامية حركة وطنية شعبية تتبنى المفهوم الصحيح للإسلام – ولا أزكي على الله أحدا- و الذي عليه غالبية المسلمين في العالم و هو مفهوم الوسطية و الاعتدال و الرفق و الأناة، و هي حركة بعيدة عن تبني مفهوم الإقصاء و العنف و تقبل بكل الفرقاء السياسيين الذين يعملون على الساحة بعيدا عن العمالة السابقة و الحالية لابن علي.و هي بعد كل شيء يحدوها هدف نبيل هو المساهمة مع الشعب التونسي في بناء دولة الحق و العدل و الحرية و التنمية و التقدم الحقيقي أسوة بحزب العدالة و التنمية في تركيا و الذي قفز بتركيا إلى مصاف الدول المتقدمة في فترة حكمه القياسية. و الآن و قد فازت بأغلبية مريحة فإن الأيام و الأشهر القادمة ستكون امتحانا لما تحمله من أفكار، و ما تتبناه من مواقف،  و ما تتسم به من صبر،إذا ما خلا طريقها من مؤامرات مبيتة و عراقيل مثبطة و التي يعض أصحابها -سواء في الداخل أو في الخارج- يعضون  أناملهم عليها غيظا، و لن يألوا جهدا في تشويه صورتها داخليا و خارجيا، فهذا دأبهم و تلك هي طبيعتهم، و من المستبعد أن يتنازلوا عنها. و على حركة النهضة أن تعي خطورة المرحلة، و أن يتسم كل قاداتها باليقظة  و بعد النظر المعهودين في رموزها، حتى لا تتعرض تجربتها الفتية لأي انزلاق لا قدر الله. على قادة حركة النهضة  أن يدركوا أن التسامح ليس نقيضا للحزم و الجدية مع بعض فلول القوى المتربصة التي تعمل على ثورة مضادة، فإذا كانت سجية التسامح الطاغية على الحركة و على رموزها أمثال المفكر الغنوشي،و المهندس حمادي الجبالي المرشح لمنصب رئيس الوزراء، يمنع من الانتقام و مطاردة تلك الفلول الإقصائية  التي ذاق أتباع الحركة منها الويلات طيلة سنوات الطاغية بن علي.فلا أقل من أن تصطف مع الشعب التونسي الذي يعمل على التصدي لتلك الفلول و منعها من الاستيلاء أو التأثير على السلطة في تونس بعد أن بدا أنها تتسرب لأحزاب بمسميات جديدة، و تتوارى خلف أوجه تتقن اللعب بالديماغوجية  الدينية و قد كانت بالأمس القريب ممالئة لنظام بن علي، و مدافعة عنه في الفضائيات العربية و الأجنبية، و تشيع عن الطاغية صورة الرئيس الورع ، المتعلق قلبه بالقرآن ! و تشيع عن ليلاه الطاغية صورة التقية النقية التي تحرص على تعليم أبنائها الصلاة و الخشوع و التبتل.و يقسمون على ذلك البهتان بأغلظ الأيمان.
الكل يتفق على أنه ليس هناك في تونس من أتباع الأحزاب من ذاق من العذاب و التضييق و القمع و التشريد ما لاقاه حزب النهضة، و لذلك فإن اختيار غالبية الشعب التونسي لهذا الحزب، هو أمر طبيعي جدّا،و ينسجم تماما مع تطلعات هذا الشعب نحو رفع الظلم السياسي والاقتصادي و الثقافي الذي ميّز الفترة الماضية. كما أن ترشيح الحزب لشخصية مناضلة صبورة مثل حمادي الجبالي المهندس في الطاقة الشمسية و الذي قضى في غياهب سجون بن على 16 سنة، عشر منها في الزنزانة الانفرادية ! بعد أن حكمت عليه المحاكم الصورية للطاغية بن علي سنة1992.هو اختيار موفق و صمام أمان لكل التونسيين من أن ينزلقوا إلى عهد جديد ممن الاستبداد، أبطاله منافقون شبعوا النفاق مع النظام السابق، لكنهم بدّلوا جلودهم على عجل عندما استيقنوا بهروب الطاغية خارج البلاد فلبسوا مسوح المعارضة  و النصح لهذا الشعب المظلوم الذي كانوا بالأمس القريب يرقصون مع الطاغية على جراحه.
إنني أتعجب من طول حبل الوهم الذي به يستمسكون، فما أصبرهم على عذابات التزلّف الموجعة التي استمروا يئنون تحتها طيلة 23 سنة من حكم الطاغية طمعا في صرف الشعب عن وجهته الحضارية الأصيلة ،فما جنوا غير سراب بقيعة حتى إذا جاءوه لم يجده غير مزيد انسجام و تناغم بين الشعب التونسي و مقوماته الدينية و الحضارية ، و مع ذلك فكثير منهم يتنادون اليوم لخوض مرحلة كئودة أخرى من النفاق و الكذب و تحمل رجس مساحقهما، فما أصبرهم على باطلهم.

في 28 أكتوبر 2011

0 التعليقات:

إرسال تعليق