الاثنين، 8 أبريل، 2013

الثورة السورية و العواقب المحتملة أحمد الرواس -الجزء الأول-



من الذي يستطيع أن يعطي الصورة الحقيقية  التي ستكون عليها ليس  سوريا وحدها و لكن أيضا لبنان و العراق و إيران من ورائها؟
في هذا المقال سأحاول أن أتلمس ملامح المنطقة بعد سنة من الآن إعتمادا على معطيات تحدث على الأرض، و ارتكازا على أجندات إيران و خطط الدول المعنية مباشرة بمآل الثورة السورية. هل سيصب هذا الصراع المرير في صالح محور إيران أم سينتهي لصالح محور الدول العربية في الشرق العربي؟
و أجدني مضطرا إلى كتابة موجز عن أجندات إيران أو خططها للمنطقة التي تعمل جاهدة لتحقيقها، و كذلك الإشارة إلى بعض ما رشح من تصور الدول العربية المجاورة و لنسم هذا المحور بالمحور العربي  الإسلامي في مقابل المحور الفارسي الشيعي.<--more--!> o:p>
مستقبل المنطقة من منظور إيران.
كيف تتصور إيران مستقبل المنطقة؟ و ما هي خططها المستقبلية لدول الجوار؟
ما يجب أن يعلمه القارئ أن إيران ليست دولة عادية، يهمها تحقيق التنمية لشعبها و العيش بسلام مع جيرانها ، مكتفية بحدودها الجغرافية ككثير من الدول. من يفكر بهذه الطريقة لا يفقه شيئا في السياسة الإيرانية و لا يعلم شيئا عن الأحلام التي تراود رجل السياسة و الدين في إيران على حد سواء.
إيران دولة عقائدية تحلم بأن تصبح إمبراطورية كما كانت قبل الإسلام حيث كان يمتد نفوذها إلى اليمن و القرن الإفريقي، و العراق و كانت هيمنتها تزاحم الهيمنة البيزنطية في الشام. فالسياسيون الإيرانيون مسكونون بهذا الحلم الفارسي الغائر، و يتشبثون بتراثهم الفارسي، و يحرصون على إبراز مخلفاته الحضارية من تماثيل و أعمدة و نقوش، و هم في أدبياتهم يعتزون كثيرا بالإمبراطورية الإخمينية 648-550 ق م و أبرز ما يذكره الإيرانيون باعتزاز كبير هو الإمبراطور كوروش الكبيرـ أو كوروش الثاتي. و الذي بنى إمبراطورية كبيرة تتمتع بقوة ضاربة لامست جبال القوقاز في الشمال و مصر في الجنوب و ما بينهما من بلاد العراق و الشام.
و قد سبق أن حضرت عدة معارض في أوروبا و دخلت إلى الرواقات الإيرانية فشاهدت مدى اعتزاز و تعصب الإيرانيين لتاريخهم الفارسي، فالأثار الإسلامية في إيران تهمش أمام الأثار الفارسيةـ فأنت تراها ضائعة بين الآثار السلوقية و البارئية و الساسانية.
كما أن الإيرانيين يرون في التراث العربي الإسلامي منافسا و مناوئا لحضارتهم الفارسية و تاريخهم الشاهنشاهي، و هذا للأسف ما يغيب على كثير من السذج العرب الذين انخدعوا بما يسمى بالثورة "الإسلامية" في إيران. بما فيهم الشيعة العرب سواء في العراق أو في إيران.
فيكفي المرء أن يطلع على المساهمات الأدبية للإيرانيين حتى بعد الثورة ليدرك حجم التعبئة النفسية ضد كل ما هو عربي.و لو كان المقام يتسع لذكرت كثيرا من الأمثلة المخزية من الأدب الإيراني الحديث، و يكفي أن يتصفح القارئ كتاب:
The Arab Image in the modern Persian literature
صورة العرب في الأدب الفارسي الحديث لصاحبته جويا بلونديل  ليدرك مدى كره الفرس للعرب. فمن الشهنامة  ملحمة الفردوسي الشهيرة التي تصور العربي بالأقل منزلة من الفارسي  المتحضر، و تقيم مأتما على تدمير الحضارة الماجوسية الفارسية على يد الفتح العربي زمن عمر بن الخطاب، مرورا بكتاب: "سفر نامة" لناصر خسرو، وهو عمل أدبي كلاسيكي ظهر في القرن الحادي عشر. يصف العرب بالوحشية و التخلف  و الإجرام إلى "نادر نادربور" أحد أبرز المنظرين في الأدب الفارسي في عهد الخميني و خامنئي  و الذي يرى أن الإسلام الذي أدخله العرب لإيران هو معادي للنزعة الفارسية أصلا، و هو –في نظره الموبوء – معاديا للحضارة و يجادل أن هناك تناقضًا بين أن يقول الفارسي "أنا إيراني" و"روحي الإسلام"!.
الخلفية التاريخية:
إذن في أعماق كل فارسي متعصب لفارسيته  يقبع مخزون متوارث من العداء لكل ما هو عربي و إسلامي حق.
إذا علمنا هذه الخلفية التاريخية فهمنا سر التصريحات الإيرانية المستفزة ضد كثير من الدول العربية. فقبل أسابيع صرح علي لارجاني رئيس مجلس شورى إيران بأن على العرب أن يكفوا عن الوقوف في وجه طموحات إيران و إلا سيندحرون إلى مكة حيث كانوا أول مرة. ! و للباحثين أقول بأن علي لاريجاني هذا هو أخ  محمد لاريجاني صاحب :"خطة أم القرى" التي اقترح فيها على الحكومة الإيرانية أن يكون من سياستها المستقبلية حرف اهتمام المسلمين من  مكة إلى قم. و قد سبق أن كتبت بحثا في مدونتي تحت عنوان: " إيران في ظل نظرية أم القرى" فليراجعه من شاء من القراء. و قبل أيام صرح أحد ملالي إيران بأن سوريا هي المحافظة ال35 لإيران، و المطلع يعلم أن عدد المحافظات في إيران هي 31 محافظة، و السؤال إذا كانت سوريا هي المحافظة ال35 فما هي المحافظة 32 و 33 و 34؟؟؟ و الجواب لا يخفى على لبيب، و هي العراق، و البحرين و لبنان. و أظن أن الكويت تعدها إيران المقاطعة 36  فقد صرح لاريجاني بأن سقوط النظام السوري هو مقدمة لسقوط الكويت، ثم قال في صلف و عنجهية : إفهموها كما تشاءون.
إيران إذن دولة قومية تطمح إلى استعادة مجد الإمبراطورية الفارسية، و أمضى سلاح في يدها هو التشيع الصفوي. و لذلك فهي تجهد في محاولة نشر غسيله في أكثر من منطقة عربية، ليس حبا في التشيع، و لكن لأنها تعلم أن أقصر الطرق لتجنيد عملاء لها في أية منطقة هو كسبهم عقائديا وربطهم رباطا أعمى بعقيدة الولي الفقيه، فبمجرد أن يسقط الإنسان في مستنقع التشيع الصفوي حتى يصبح تلقائيا يدين بالولاء المطلق لما يسمى بالولي الفقيه. و من تم يمكن استعمالهم بسهولة وقودا في محرقتها لإضاءة الطريق أمام توسيع دائرة نفوذها القومي. فبالرغم من صرف إيران للملايير من أجل نشر التشيع الصفوي إلا أن ذلك مجرد وسيلة توطئ بها توسيع الطريق أمام الامتداد الإمبراطوري الفارسي. و لا أدل على ذلك فإن إيران خذلت دولة أذربجان الشيعية في صراعها المرير مع أرمينيا المسيحية لأن مصلحة إيران القومية اقتضت التحالف مع أرمينيا .
أين العرب من كل هذا التوثب الإيراني؟
الواقع أن الدول العربية لا تدري ما ذا تريد حتى الآن. فكل دولة منها تحاول العيش منفردة  ضمن حدودها صانعة أو متصنعة خصوصياتها، في تعايش و سلام و راحة البال، أكاد أجزم أنه لا توجد دولة من دول الخليج يفكر حكامها و أمراؤها في التطلع إلى أي دور حضاري للأمة العربية و الإسلامية. و هذا ما أشاع في الأفق غطيط غيبوبة حضارية عامة لدى معظم الدول العربية، مما يشجع إيران على الزحف نحو ملء الفراغ " الحضاري" قبل الإحلال العسكري المأمول لديهم. و لذلك فهي تكثر من الفرقعات الإعلامية لأية حركة صناعية تقوم بها.أو تصطنعها زورا كما ضبطت قبل أسابيع تزور في إرسال المركبة إلى الفضاء الخارجي و كذلك زيف صناعة مقاتلة "قاهر" التي تبن أنها مجرد مجسم مصنوع بالبوليستير. لأن إيران تستهدف بهذه الإشاعات ملء الفراغ لدى المواطن العادي الذي يسوؤه كثيرا بقاء دوله بعيدة عن اللحوق بركب التقدم الصناعي.و يسوؤه تنكب هذه الدول لمجده الحضاري التليد.
سوريا قاعدة متقدمة للإختراق الإيراني.
مر على الدول العربية حين من الدهر لم يكن أغلبهم يأخذ التهديد الإيراني على محمل الجد، خصوصا عندما قام صدام بمغامرته الطائشة بغزو الكويت. فصورت إيران للدول العربية أن الخطر الحقيقي  عليهم هو صدام حسين. و أن إيران دولة مسالمة، فدشنت هذه الدول عهدا جديدا مع إيران تحسنت فيه العلاقات مع كل دول الخليج، خصوصا في عهد الإصلاحيين برئاسة خاتمي، و قد شكلت هذه المرحلة لإيران فترة راحة المحارب. استعادت فيها قوتها و لملمت أمورها المتبعثرة بالحرب الطويلة مع العراق، و بينما استكان العرب للراحة و الاستجمام السياسي انطلقت إيران في سعيها الحثيث لبناء دولة قوية عسكريا، و استعملت كل الوسائل المشروعة و غير المشروعة لشراء التصاميم السرية لبناء المفاعلات النووية، و شراء أجهزة الطرد المركزي.
و باستعمالها ليافطة المقاومة و دعاية العمل من أجل الإسلام و المسلمين استطاعت أن تخدع أب القنبلة النووية و الهيدرجونية الباكستانية العالم السني الملتزم الدكتور عبد القدير خان فسرب إليها كثيرا من الأسرار العلمية ، و ساعدها في توريد أول جهاز للطرد المركزي من دولة سنية أخرى في أقصى جنوب آسيا هي دولة ماليزيا. واستفاق العرب على إيران و قد حصلت على عدد كبير من أجهزة الطرد المركزي، و بناء محطات نووية متعددة في أصفهان و بوشهر و ناتانز بضواحي قم .. و ما كادت الدول العربية تتقبل الصدمة حتى فوجئت بالغزو الأمريكي للعراق و قد فاجأت إيران كل العرب بتعاونها التام و تواطئها الكامل مع الاحتلال الأمريكي و تزويده بعملاء ربتهم على عينها منذ الخميني فيهم كثير من كبار مراجع الشيعة لذين كانوا بالأمس القريب يخرجون في مظاهرات يدوسون فيها على العلم الأمريكي و يرددون هتافات: من قبيل الموت لأمريكا و الموت لإسرائيل 
!
و لم يدرك العرب أن إيران مستعدة للتحالف مع الشيطان الأكبر من أجل التقدم خطوة نحو رقابهم. و هكذا اقتضى ذلك التحالف الغير معلن أن تسلم أمريكا العراق لإيران على طبق من ذهب كما قال وزير الخارجية السعودي، لتعبث به إيران قتلا وذبحا في محاولة للعبث بخارطته الطائفية.
إن سياسة الهيمنة الإيرانية على سوريا بدأت قديما عندما أفتى المراجع الإيرانيون  و الموالون لهم من حزب الله في لبنان بالإعتراف بالطائفة النصيرية  و إلحاقها بالمحكمة الجعفرية اللبنانية، من يومها كانت خطة إيران تقتضي التعامل مع سوريا كما لو كانت محافظة إيرانية. فاعتبر الخميني حافظ الأسد شريكا استراتيجيا، و رفيقا طائفيا و لذلك فقد دعمه في مجزرة حماة سنة82 ، و وقف إلى جانبه في كل المجازر و الجرائم التي ارتكبها في لبنان خلال الثمانينات.
و بالرغم من أن حافظ الأسد حاول التوفيق بين شراكته الإستراتيجية مع إيران و علاقته مع الدول العربية إلا أنه بعد تولي بشار الأسد الحكم بعد أبيه دشن لمرحلة جديدة من الاختراق الإيراني،حيث كثفت إيران من زرع حسينياتها و حوزاتها في منطقة السيدة زينب و القرى الحدودية مع لبنان في القصير و ريف حمص و غيرها. و أغدقت إيران مساعداتها لبشار خصوصا في طفرة أسعار النفط، و باتت إيران توجه السياسة السورية لخدمة أهدافها. تحت يافطة: دول المقاومة أو جبهة الممانعة.
إستفاق العرب ليجدوا أن جيوش إيران تقف على عتبات حدودهم في العراق و سوريا و لبنان و البحرين و اليمن، و تواجد في أيرتيريا و جيبوني و كأن الطوق قد أحكم عليهم من كل جانب !
عندما تفجرت الثورة في سوريا تلكأ العرب في دعمها خوفا من انتقالها إليهم، لكنهم لما رأوا أن الأمر لن يعود إلى الوراء بادروا إلى تأييدها و إدانة جرائم النظام السوري، لكن تأييدهم سرعان ما انحسر في التأييد اللفظي، و السعي لدى المؤتمرات الدولية هنا و هناك، بينما دخلت إيران بقوة على الخط و شكلت جسرا جويا لتقل السلاح و المؤن لجيش النظام، بل و إرسال الخبراء العسكريين و المقاتلين سواء من إيران أو من العراق و لبنان. و شاركت في جرائم فظيعة و لا تزال ضاربة  عرض الحائط –كإسرائيل تماما- بأية قوانين أو أعراف دولية. بينما العرب يقفون منذ سنتين متفرجين على سقوط آلاف القتلى دون أن يحركوا ساكنا، و كأنهم قد أسلموا الشعب السوري العربي الطيب لمصيره .
سبب العجز:
أما سبب العجز فهو ارتهان هذه الدول للقرار الأمريكي ، و حيث أن القرار الأمريكي يتحكم فيه القرار الإسرائيلي الذي لا يريد سقوط النظام لتوجسه خيفة مما سيسفر عنه سقوط هذا النظام الذي لم يحرك ساكنا و لم يطلق رصاصة واحدة في الجولان، فإن أمريكا ستعمل على إبقاء الحالة على ما هي عليه حتى ينهك الطرفان.
ما لا يعرفه العرب أن هذا الخيار إن صار كما تهوى إسرائيل فإن العرب هم الخاسر الأكبر ، لأنهم سيخسرون سوريا لصالح الميليشيات الإيرانية، و تقيم فيها إمارات تابعة لولاية الفقيه، مدعومة من حزبها في لبنان المجاور،و قد تحدث مجازر لا تخطر على بال.
الحل هو أن تتخلص الدول العربية من هذا الارتهان للسياسة الأمريكية الذي يشل حركتها، و تعمل طبقا لمصلحتها و مصلحة أمتها الاستراتيجية . و دعم الجيش الحر بما يحتاجه من سلاح نوعي و متطور ليحسم المعركة لصالحه و انتزاع سوريا من بين فكي إيران و استردادها لمحيطها العربي قبل فوات الأوان.
في الحلقة القادمة نتحدث عن مآلات كل هذه الأحداث بحول الله

0 التعليقات:

إرسال تعليق