الأحد، 17 مارس، 2013

عقدة التاريخ الإسلامي -أحمد الرواس-



مع صعود الخيار الإسلامي الذي جاء به ما أصبح يعرف بالربيع العربي عادت المناقشات و المناكفات إلى الساحة حول التاريخ الإسلامي، فالجهات التي أغاظها اكتساح التسونامي الإسلامي و جرفه لكل مقالعها التقليدة الحاكمة او المتحالفة مع الحكم السابق تجد في لتاريخ الإسلامي أفضل ملجإ لمهاجمة الإسلاميين و الطعن في خيارهم الذي يبشرون به و هو الارتكاز على الشريعة الإسلامية و إحياء التراث الإسلامي و إعادة الاعتبار للمقومات الحضارية للأمة و هي التي ليست غير التعاليم الإسلامية.
و أزعم أنه ليست هناك في القضايا الإسلامية التي ضلت بشأنها الأفهام، و زاغت فيها العقول عن جادة الصواب مثل التاريخ الإسلامي .فقد رآى فيه البعض مجموعة أحداث اتسمت بالدموية و العنف و القسوة و الظلم، و بالتالي فقد تكونت لدى مثل هذه الفئة من  الناس نظرة سوداوية إلى التاريخ الإسلامي، و انتشرت في مخيلتها سحابة دكناء من السلبية المطلقة حول مختلف الشخصيات الإسلامية بله القادة العسكريين أو الأمراء و الحكام. و مرتكز هذه الفئة التي شملت حتى بعض المحسوبين على الحركات الإسلامية هو انحراف الحكم الإسلامي عن الخلافة الراشدة، و مستندها في تبرير إصدارها حكمها بالإعدام على تاريخ المسلمين هي بعض الأحاديث النبوية التي تخبر عن تحول الحكم الراشد إلى الحكم العاض و الجبري، و بالتالي فقد حسمت هذه الفئة أمرها من التاريخ الإسلامي و ألقت بكل ما فيه من الحابل و النابل ، و الغث و السمين و النافع و الضار..و ما عاد يهمها في هذا التاريخ التراثي أو التراث التاريخي أي شيء فهو عندها ظلمات متراكمة بعضها فوق بعض !
فئة أخرى لا تبرر رفضها للتاريخ الإسلامي بتلك المبررات الدينية أو شبه دينية و لكنها ترجع  كل شيء سلبي وقع في التاريخ الإسلامي ، و كل صراع نشب و كل ظلم وقع إلى الإسلام نفسه أو إلى شريعته، و هذه الفئة تجمع الحداثويين، و اليساريين و الشيوعيين و الملاحدة العرب و كذلك تنضم إليهم بعض الجهات الصليبية العربية مثل بعض متطرفي الأقباط في مصر.
فئة ثالثة أخرى ربما كانت أشد رفضا للتاريخ الإسلامي و لقاداته و أمجاده من الفئتين الأوليين و هي فرقة الرافضة الإثناعشرية ، و الحق فإن كثيرا من الملاحدة العرب و القوى المعادية للإسلام هي في واقع الحال عالة على ما  يكتبه ناشطوا هذه الفرقة من أحقاد على التاريخ الإسلامي ككل. و هذه الفئة تختلف مع الفئة الأولى التي أسميها بالفئة الإسلامية الحالمة- كونها لا تقتصر في حنقها و رفضها لتاريخ الإسلامي بعد فترة الخلافة الراشدة، بل تتعداها إلى تاريخ الإسلام كله، و لا تالوا جهدا في سعيها الحثيث لتشويه الخلافة الراشدة بالخصوص، فكل تركيزها ينصب حول محاولة تشويه تلك الصورة الناصعة التي أشرقت في التاريخ البشرية من العدل و الحرية و المساواة و الإيثار إنعدم ما يماثلها في دنيا البشر، باعتبار أن الذي يهم  من محاولتها هدم الخلافة الراشدة و إطفاء أنوارها  في عقول المسلمين هو تهيء التربة المناسبة لنمو أفكار الرفض في العقول الخاوية و تكاثر هوام نظرياتهم الهابطة في مستنقع سوء الظن بالجيل الأول الذي رباه محمد ص  و تعويضه بخزعبلاتها الإثناعشرية  التي تضحك الثكلى و ترسيخ جذور أحقادها على أصحاب محمد في عقول السذج و البلهاء من الناس. و هذا المسعى لم ينحشر إلى مستنقعه الآسن إلا مرضى النفوس و موبوؤوا الفكر من الذين أرداهم حقدهم على دين الإسلام من الفئة الثانية، و بعض الجهلة من سخيفي العقول و عديمي الثقافة و المروءة معا.
و أنا أريد هنا أن أخص الفئة الأولى بالمناقشة لأنها أقرب الثلاثة إلى الحق و لا أنشغل كثيرا بالأخريين فباطلهم يتهاوى بشكل دوري، فأما الزبد فيذهب جفاء و أما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض كذلك يضرب الله الأمثال. و العالم يشهد اليوم فظاعة السقوط المدوي لكل محاولاتها لتشويه التاريخ الإسلامي، فبعد عقود و قرون من بذل الأموال و صرف الجهود المضنية يأتي الجواب في المد الكاسح لتوجه الأمة نحو التشبث بتراثها الإسلامي و الاعتزاز بأمجادها الربانيين من لدن أصحاب الرسول ص إلى الفقهاء الربانيين الموحدين، الجواب جاء من بلاد الكنانة  و تونس و ليبيا و المغرب و سوريا و المد ما يزال في أمواجه الأولى !
لا أحد ينكر أن قد وقع انحراف عن النهج الراشدي في الحكم و في تولية الخليفة على الخصوص و ذلك بتوريث معاوية الحكم لابنه يزيد الذي و رثها لابنه معاوية بن يزيد…و رغم أن هذا الأخير- معاوية بن يزيد- أوقف ذلك التقليد فلم يورث الحكم، و رغم إلحاح أهله عليه بتولية أخيه خالد بن يزيد لكنه أبى أشد الإباء  و قال قولته المشهورة  لا والله لا أتزودها ! ما سعدت بحلاوتها فكيف أشقى بمرارتها إلا أن التوريث أمسى تقليدا متبعا بعد ذلك، و عندما جاءت الخلافة العباسية التي كانت ترفع شعارات الانتصار للعلويين و تثبيت الحكم في آل البيت النبوي سارت على نفس التقليد …و لكن هل هذا مبرر لرفض كل ما جاء في تاريخنا المجيد من بطولات و فتوحات عرفانية و علمية و فقهية و حضارية  و عرفانية!البعض وصل به الاندفاع إلى أن يدعي أن معاوية قد غير دين الله بتوريث الخلافة ! و هنا أجد نفسي مضطرا إلى أن أبين حقيقة كان يجب أن تبقى  بديهية و هي أن الإسلام دين شامل مستوعب لمختلف جوانب الحياة قديمها و حديثها، خاصها و عامها، و يشتمل في تراثه القرآني و الحديثي و الفقهي على كل النظم المستوعبة لكل المستجدات الاقتصادية و الاجتماعية و النفسية و الدينية في دنيا الناس ، و لذلك فإن وقع انحراف في كيفية تسليم السلط مثلا سواء على مستوى الخلافة العامة أو الخاصة داخل الدولة الإسلامية فلا يعني هذا توقف مآت و آلاف الجوانب الأخرى..فمعاوية بن أبي سفيان لم يغير آية في كتاب الله و لا حديثا من أحاديث رسول الله و لكنه أخطأ في تولية أمر المسلمين لابنه يزيد الذي لم يكن أهلا لتولي السلطة و لم يكن له رصيد أخلاقي و لا علمي يؤهله لتبوئ منزلة الخلافة… لكن معاوية لم يكن يحكم في الرعية بأي دستور أجنبي مستورد من وراء البحار، و لا كان ينفذ إرادات أو سياسات الدول المعادية للإسلام. و لم يكن يرغم أحدا من الفقهاء و العلماء على تبني أي موقف غير ذاك الذي تمليه عليهم قناعاتهم و تقود إليه مكانتهم العلمية و منزلتهم الاجتهادية و لذلك فقد ظل العطاء مستمرا و الإنتاج متدفقا ، و ظلت ينابيع الإسلام صافية تتدفق عطاء و غنى . لم يصدر عن معاوية و لا يزيد و لا أحد من الأمراء و الحكام عبر تاريخنا الإسلامي ما يغير قيد أنملة في مفهوم الشورى القرآني الذي كان لا يزال في طور التبلور حتى في عهد  الخلافة الراشدة، و لعل عدم اكتمال تبلور مبدإ الشورى و آلياته الإجرائية هو ما سهل على بعض  ذوي الحظوظ النفسية و الطموحات الدنيوية المادية من خلفاء بني أمية و بني العباس  أن يتسللوا من خلال عدم الوضوح هذا إلى سدة الحكم عبر التوريث الذي هيأوا له الأجواء بمحاولات دؤوبة  لإقناع الرعية بمدى نصحهم للأمة في اختياراتهم و توريثاتهم.
 و قد وازن علماء الإسلام ما بين المصالح و المفاسد، المصالح التي يمكن أن يجلبوها للأمة بالتمرد الشامل على الحكام و الملوك ، و المفاسد التي يرجح أن تنزلق إليها الأمة من حروب و فتن ففضلوا درأ المفاسد على جلب المصالح مهتدين بالهدي النبوي في كل ذلك و قد وضع الرسول ص معيار يتبع في كل ذلك فأمر المسلمين بالسمع و الطاعة ما دامت شؤون المسلمين تقوم على العدل، يأمن فيها المسلمون على دينهم،و حياتهم، و عرضهم، و مالهم و ما لم يروا كفرا بواحا لهم فيه من الله حجة لا تقبل الجدال.
و هكذا استمر المسلمون في عطائهم عبر التاريخ فأنشأوا أعظم حضارة استمرت لأكثر من 7 قرون رغم ما تخللتها من تقلبات سياسية و هجومات خارجية..إن الذين يبادرون إلى اتهام تاريخ المسلمين بالدموية تنقصهم المعرفة بتاريخ الأمم الأخرى المعاصرة لمراحل التاريخ الإسلامي ، و لعلي أقرر بكل ثقة بعد قراءة التاريخ الأوروبي خلال عصور الظلام و ما بعدها، لعلي أقول أن تاريخ المسلمين هو الأقل دموية و الأهدأ حالا، و لعل كل الذين قتلوا في كل حروب المسلمين سواء في الفتن الداخلية أو في الفتوحات الإسلامية لا يمثل معشار من قتلوا في حروب الدول الأوروبية مع بعضها البعض. أما إذا انتقلنا إلى القرن العشرين فإن عدد الذين قتلوا في أوروبا في حروب الغربيين مع بعضهم البعض  يفوق وحده كل من قتل في كل الحروب التي عرفها العالم الإسلامي خلال تاريخه كله !
ففي عهد ستالين أباد 20 مليون من الآنام، و في الحرب العالمية الثانية قتل الغربيون 63مليون من الناس،و في عهد ماو سيتونج قتل 40 مليون كثير منهم بالمجاعة في ظل النظرية الشيوعية،و في القرن 15 أباد الأوروبيون ما يقرب من 20 مليون من العبيد في تجارة النخاسة، كما قتل الغرب أكثر من 90% من السكان الأصليين في القارة الأمريكية، و في الحرب العالمية الأولى قتل 18 مليون إنسان.و في الحرب الأهلية الروسية قتل 9 ملايين. و الائحة طويلة .
و لذلك فنصيحتي لمن يريد أن يشطب تاريخ المسلمين و ينعته بالدموية أن يقرأ أولا تاريخ الأمم الأخرى.
تعليقات سابقة:

2 تعليق على “عقدة التاريخ الإسلامي -أحمد الرواس-”

  1. d: 24-Dec-2011 19:49 GMT
    التاريح هو الذي يحكم ومن لا تاريخ له لا حاضر له ويبقى المشكل المطروح بين أنقرة وباريس لا يرقى إلى الحقائق التاريخية ، فباريس تبحث عن عداء جديد بين الإسلام وباريس ونسيت باريس أنها إجرمت في حق القارة الإفريقية سياسيا واقتصاديا وإنسانيا وفي الشرق الأوسط أيضا ، وما إرتكبته باريس قريبا بليبيا يدينها ، والإبادة الجماعية بأرندا والجزائر والمغرب وتونس . وتزيد الكيان الصهيوني بالسلاح النووي لإنتاج القنبلة النووية يدينها أما أنقرة والأرمن كانت حقبة تعتبر ليس إستعمارية بل فتح إسلامي والإسلام يحرم الإعتداء
    أحمد الجيدي, المغرب
  2. ما قامت به فرنسا و تقوم بمثله بعض البلاد الغربية هو في الواقع تطرف في استعمال القوانين لتثبيت وجهات نظرية معينة في قضايا مخصوصة خدمة لأهداف سياسية ضيقة، لست أدري ما علاقة القوانين و الدساتير بالدراسات التاريخية و الاقتناعات المختلفة الناتجة عنها؟ إنه مثال صارخ على القمع و التحجير على الفكر باسم الديمقراطية، إن هذا الإجراء يشبه عهد سيطرة الكنيسة على أوروبا و التحجير على العلماء ألا يتجاوزوا المفاهيم و التصورات البدائية التي وضعت الكنيسة أقانيمها، و هددت بالحرق كل عالم فزيائي أو فلكي بتجاوزها. ليس يحق بعد اليوم في فرنسا أن تكون للباحث في التاريخ أو لأي مؤرخ أن يتبنى وجهة نظر في مزاعم الأرمن و الإبادة الجماعية التي يقولون إن الإمبراطورية العثمانية أقدمت عليها في آواخر أيامها سنة 1915.
    مما يعني التحجير الحقيقي على عقول الباحثين، و عبثية البحث في المسألة بعد اليوم طالما أن النتيجة معروفة سلفا، و إلا فإن السجن و الغرامة المقعدة في انتظار كل من يوصله بحثه إلى نتائج مخالفة.
    نفس الشيء فعلته فرنسا مع المفكر الفيلسوف روجي جارودي ، فحجرت عليه فكره، و منعته الالتقاء بالصحافة و باختصار فقد حكمت عليه بما يشبه الإعدام – فإعدام المفكر أن تمنعه من التفكير و تحول بينه و بين التواصل مع العالم من حوله- كما كانت تفعل الكنيسة قبل الثورة الفرنسية. يحق لكل باحث أن تساءل إلى أين تتجه العنجهية السياسية في أوروبا و الغرب عموما ؟و إلى أين تقود مكتسبات ما يسمى بعصر الأنوار؟
    شكرا على مرورك و تواصلك أخي أحمد الجيدي

0 التعليقات:

إرسال تعليق