الأحد، 24 مارس، 2013

هل تلاعب بنو أمية بسنة الرسول!؟ - أ الرواس


 

      من الشبهات التي يرددها الروافض، وتلقفها منهم أعداء الإسلام. الزعم الكاذب  بأن الأحاديث قد تلاعب بجمعها بنو أمية!! فهم يتصورون أن الأحاديث قد جمعت أيام بني أمية ! و ما دروا أن الأحاديث أغلبها  جمعت أيام بني العباس الذين قاموا على أنقاض بني أمية، وكان بنوا العباس يرفعون شعار الثأر لآل محمد، و قد نظموا حملات مكثفة لتشويه سيرتهم‘ و لاحقوهم بالإبادة في طول البلاد و عرضها، فبهذا المنطق الأعرج المفروض أن تتسرب أحاديث غلاة الشيعة إلى كتب الحديث عند السنة، وليس العكس.
من كلامهم تفضحهم
هناك مفاتيح في الكلام تلخص لك مدى القدرة العلمية للمتحدث، و مدى اطلاعه على فن من الفنون، و الذي يردد مثل هذا الادعاء بكون الأحاديث قد تلاعب بها بنو أمية، يظهر لكبجلاء أنه لم يقرأ يوما علم الجرح و التعديل، و لم يطلع على مسار جمع الأحاديث، ولا له تصور عن عصر التدوين وثقافة المحدثين، ولا له مدخل إلى معرفة جهودهم الجبارة التي بسببها ظهر للوجود أعظم علم لنقد الأخبار و تمحيصها ، بجرد كامل لحياة و أحوال و أخلاق و صحة اللرواة. و هذا الأسلوب الفريد يتجاوز  في دقته أي أسلوب آخر حتى ولو سمي بأسماء علمية و منطقية و أنثروبلوجية ! و يظهر قصور الأسلوب المنطقي لتتبع الأخبار  في أن المنطق، و أي أسلوب  علمي آخر- غير علم الجرح و التعديل- لا يمكن أن يقرر مثلا أن الرسول ص قد حدَّث بحديث معين إن كان هذا الحديث يتماشى مع باقي الأحاديث، ولا يناقض شيئا من القرآن و السنة الصحيحة. فلو أن مدعيا قال أنه روى عن فلان و فلان أن الرسول ص خرج يوما على الصحابة و هم جلوس في المسجد ثم حمد الله و أثنى عليه بما هو أهله ثم قال: أيها الناس توبوا إلى الله و استغفروه فما من ذنب يذنبه العبد إلا و له عند الله توبة! لو حكمنا المنطق في هذا الحديث لقلنا أنه لا يناقض الأحاديث الأخرى، كما أنه في انسجام مع ما يدعو إليه القرآن من الحث على التوبة و المسارعة إلى الاستغفار ! و هكذا ننتهي بمقارباتنا المنطقية إلى أن الحديث صحيح! بينما بسلوك أبجديات علم الجرح و التعديل سننتهي إلى الإجابة على السؤال التالي :
 هل فعلا تلفظ الرسول ص بهذا الحديث أم لم يتلفظ به؟ بغض النظر عن أي اعتبار  منطقي آخر. و طريقة الجرح و التعديل في ذلك هي تتبع أخبار الرواة ، وعلاقاتهم ببعضهم، و سيرتهم بين الناس وحضورهم معهم ، و تسليط الضوء على أخلاقهم و مستويات ورعهم ، ومدى ضبطهم و حفظهم  أو تساهلهم، و مدى ذكائهم أو بلادتهم…. إلخ  و هذا فرق شاسع بين الأمرين .
مناقشة مع  إيراني
أذكر  أنني كنت أتناقش مع أحد المثقفين الإيرانيين الحاصل على حق اللجوء السياسي في السويد ، و قد زارني في بيتي رفقة أحد أصدقائي الذي يعملأستاذا جامعيا مختصا باللغة الفارسية و آدابها ا، و أثناء حديثي معه، و في لحظة من اللحظات قال لي بأننا في إيران نسمي أبا هريرة بزركان حديث! أي تاجر الأحاديث ! و رغبة مني في زيادة تورطه طلبت منه أن يشرح لي ماذا بقوله: تاجر الأحاديث: فقال بلا تردد و كأنه ينطلق من مسلمة  رياضية:
 لقد كان أبو هريرة يضع الأحايث لمن يدفع له أكثر! فعجبت لجرءته في الباطل، و لكنني تفهَّمت جهالته و قدَّرت البيئة التي نشأ فيها في عالم الملالي من أجواء التزير الرهيب للحقائق! فقلت له في هدوء : ترى لصالح من كان يضع الأحاديث؟ وما طبيعة تلك الأحاديث !؟ قال محاوري بلا تردد: لصالح الأمويين بلاريب ! فقد و ضع لهم أحاديث تمدحهم، و تمدح  ذرياتهم، و  تفضلهم على آل البيت!  قلت : إذن من المنطقي أن يكون على رأس من وضع الأحاديث لصالحهم معاوية بن أبي سفيان باعتباره الخليفة ! و المسيطر على الأمور؟ قال : هذا أكيد! قلت له فكم تحفظ من أحاديث أبي هريرة في مدح معاوية؟ قال : لا أحفظ الأحاديث فأنا لم أدرس في الحوزة عند الملالي ، و إنما تعلمت في الجامعة و تخرجت مهندسا من جامعة طهران. قلت له و لكنك تستطيع أن تبحث في كتب مذهبك في إيران فتأتي ببعض الأحاديث التي اختلقها –كما تزعم- أبو هريرة و مدح فيها معاوية و ذرية الأمويين و فضلهم على أهل البيت! قال : بالطبع أستطيع ذلك، قلت له : لماذا لا نعقد أنا و إياك صفقة ؟ قال ما هي ؟ قلت : عن كل حديث يرويه أبو هريرة يمدح فيه معاوية بن أبي سفيان أو أبناء الأمويين آتيك أنا بعشرة أحاديث من أحاديثه يروي فيها أبو هريرة مناقب أهل البيت و فضائلهم !فاندهش وأدرك مدى تورطه، و أنه كان يهرف بما لا يعرف فقال : ما ذا تعني بهذا الكلام؟ قلت لا تفسد الصفقة من البداية!قال أنا في الحقيقة كنت أسمع جميع الأوساط الدينية تقول هذا الكلام ! قلت : لقد أضلكم أئمتكم!  و القرآن يحدثنا أن أقواما سيقولون يوم القيامة :{ ربنا إنا أطعنا سادتنا و كبراءنا فأضلونا السبيلا ربنا آتيهم ضعفين من العذاب والعنهم لعنا كثيرا} فهل تنتظر إلى أن يحل ذلك اليوم الذي لا رجعة فيه، أم تتجشم مشاق البحث لتعرف مدى التضليل الذي يمارسه علماء الدين في إيران على الدهماء؟-و لم أجد صعوبة في إقناع الرجل بأن علماء إيران يمارسون التضليل، و يحترفون الكذب و البهتان  على الصحابة و أمهات المومنين. فالرجل كان معارضا لنظام الملالي و يعرف عن مخازيهم  ما لم أكن أعرفه، و لكن في مجالات أخرى .قلت له:
 لا يوجد حديث واحد اختلقه أبو هريرة لمدح معاوية أو أحد من ذريته! على العكس فهناك أحاديث عديدة تجسد مناقب أفراد من أهل البيت قد رواها أبو هريرة رضى الله عنه. و عند افتراقنا قلت لذلك الإيراني : لا تكتف بما سمعته مني و لكن إبحث في الأمر بنفسك ، و أنا على استعداد للمناقشة .و قد راسلني بعد ذلك مارارا يشكرني على حسن الضيافة،  ولم يستطع أن يجد شيئا يدعم ادعاءه  الأول عن أبي هريرة، فعلم أنه كان ضحية أكاذيب الدجالين من ملالي إيران المتعصبين. و لذلك فستظل مهمة التضليل سهلة على الملالي إذا تعلق الأمر بالبسطاء وبعض السطحيين، و تبقى صعبة بل مستحيلة في حق من يتمتعون بأدنى قدرة على التمحيص و التدقيق.
الدقة و النزاهة في الجرح و التعديل
ما يجهله هؤلاء المغرضون أو يتجاهلونه هو حجم الدقة و النزاهة و نكران الذات التي ميزت جهابذة هذا العلم الذي لم يتقدم في العالمين مثله. فالواحد منهم كان يشهد بالحق في آبائه و بنيه، و لا يجيز لنفسه مجاملتهم، فكيف بأحد من أبناء بني أمية؟
فهذا الإمام علي بن المديني يُسأل عن أبيه فيقول: اسألوا غيري، فقالوا: سألناك، فأطرق ثم رفع رأسه وقال:"هذا هو الدين، أبي ضعيف"، وقال أبو داود صاحب السنن:"ابني عبدالله كذاب"، وقال زيد بن أبي أنيسة:"لا تأخذوا عن أخي يحيى".
و الأمثلة على هذا كثيرة،  و لكن بعض المغرضين و الحاقدين أو الجاهلين على السواء يريدون أن ينشروا بين العوام، و أنصاف المتعلمين صورة مشوشة عن هذا العلم العظيم، ليتوصلوا بذلك إلى دفع المغفلين من على جرف التشكيك و الهواجس إلى هوة سحيقة من تكذيب أحاديث الرسول ص. ليصلوا إلى مبتغاهم الأثيم و هو تشكيك الناس في أصل الدين، لأنه لا يمكن أخذ الإسلام من القرآن بمعزل عن السنة النبوية المطهرة الشارحة و المكملة لدين الله عز و جل. فقد قال الله تعالى:" و أنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم" و قال:" فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله و الرسول إن كنتم تومنون بالله و اليوم الآخر" و يقول الرسول ص : " ألا إنني أوتيت الكتاب و مثله معه" 
وعن أبي رافع - رضي الله عنه - قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( لا ألفين أحدكم متكئا على أريكته ، يأتيه الأمر من أمري مما أمرت به أو نهيت عنه ، فيقول لا أدري ، ما وجدنا في كتاب الله اتبعناه ) . رواه أحمد وأبو داود ، والترمذي ، وابن ماجه ، والبيهقي في ( دلائل النبوة )
وفي لفظ لأحمد والترمذي وابن ماجه: "ألا وإن ما حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل ما حرم الله"
إحذروا الثلاثي السام
الثلاثي هو: الرفض والاستشراق و الاستغراب.
فقد حاول بعض المستشرقين و بعض المستغربين و المسترفضين على السواء أن يوهموا البسطاء أن هناك فوضى، أو شبه فوضى بين علماء الجرح و التعديل! و أن أهواء بشرية كانت تطبع هذا العلم.و تجنح به نحو خدمة الأهداف الطائفية و الدينية و المذاهبية!! و الواقع أن الاختلافات بين العلماء أمر طبيعي، فلا يخلو علم من العلوم من الاختلافات في الرؤى و التأويل. فباختلاف الآراء تتكامل العلوم و تتطور نحو الأفضل و الأحسن. لأن هذه الاختلافات لا تمس جوهر هذا العلم بل تتناول فقط عوارض و هوامش لا تحيد بأصحابها عن المسار العام الذي يقرره علم الجرح و التعديل. و مما يدلك على هامشية تلك الاختلافات قول الإمام الذهبي، أحد أقطاب هذا العلم المبارك في ميزان الاعتدال:
"لم يجتمع اثنان من علماء هذا الشأن علم الجرح والتعديل على توثيق ضعيف، ولا تضعيف ثقة"، و تكفي هذه القولة دليلا على تهافت كل المغرضين.
 و قد بلغت صرامة علماء الجرح و التعديل حدا مُحيرا، فقد سافر الإمام البخاري رضي الله عنه لسماع حديث من شخص كي يدونه، فلما قرب من الدار رآه يستدرج دابته بإيهامها أن في حجره طعاما لها، فلما رآه يفعل ذلك عاد أدراجه و لم يرو عنه! فلما سئل في ذلك قال رأيته يكذب على دابته فخشيت أن يكذب علي في الحديث. و كان البخاري لا يقبل حديثا من أحد لم يعاصر من يروي عنه مخافة الزلل و النسيان. و قد بالغوا في توخي الحيطة و الحذر حدا جعل بعض من عاصرهم ينتقدون تشددهم  في التحري و ترك الرواة لمجرد شبه بسيطة. و في هذا السياق يُروى أن أبا بكر بن خلاد قال ليحيى بن سعيد أحد أئمة الجرح والتعديل الكبار:"أما تخشى أن يكون هؤلاء الذين تركت حديثهم خصماءك عند الله؟ فقال: لأن يكونوا خصمائي أحب إليَّ من أن يكون خصمي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: لِمَ لَمْ تذُبَّ الكذب عن حديثي؟".
و علماء الجرح و التعديل يختلفون فيما بينهم شدة و لينا في تجريح الرواة أو تعديلهم، و يضع العلامة الدكتور
محمد أبو شهبة، في كتابه"دفاع عن السنة"، أمامنا صورة لما كان عليه أهل هذا الفن قائلا: فعلماء الجرح والتعديل عندهم على ثلاثة أقسام:"متشدد في الجرح، متثبت في التعديل، يغمز الراوي بالغلطتين والثلاث، ويُلَيِّنُ بذلك حديثه، فهذا إذا وثَّق شخصاً فعُضَّ على قوله بناجذيك وتمسك بتوثيقه، وإذا ضعف رجلاً فانظر هل وافقه غيره على تضعيفه، فإن وافقه ولم يوثق ذاك أحد من الحذاق، فهو ضعيف، وإن وثقه أحد فهذا الذي قالوا فيه: لا يقبل تجريحه إلا مفسراً، يعني لا يكفي أن يقول فيه ابن معين مثلاً:"ضعيف، ولم يوضح سبب ضعفه، وغيره قد وثقه، فمثل هذا يتوقف في تصحيح حديثه، وهو إلى الحسن أقرب، وابن معين وأبو حاتم والجوزجاني متشددون. وقسم في مقابلة هؤلاء، كأبي عيسى الترمذي، وأبي عبد الله الحاكم وأبي بكر البيهقي متساهلون. وقسم ثالث كالبخاري، وأحمد بن حنبل، وأبي زرعة، وابن عدي معتدلون منصفون".

فالأمر إذن كان منضبطا تماما كما نرى.
فالزعم  العريض  بأن بني أمية قد تلاعبوا بسنة الرسول هو زعم باطل تماما لا ينطلي إلا على المغفلين

 في 3 فبراير 2010 الساعة: 17:59 م

تم التعديل 22 أبريل 2014

0 التعليقات:

إرسال تعليق