الثلاثاء، 26 مارس، 2013

مؤامرة تقسيم السودان والويل القادم أحمد الرواس



لا يكاد المرء يصدق أن يكون حكام السودان قد وافقوا على إمكانية تقسيم السودان و إتاحة فرصة تاريخية للانفصالين بصنع كيان لهم في جزء عزيز من بلاد الإسلام ووطن العروبة هو الجنوب السوداني، و ذلك بتوقيع حكومة الخرطوم برئاسة الفريق عمر البشير لاتفاقية السلام سنة2005.
إن هذه الاتفاقية تعد لاغية شرعا و قانونا ، فلا يحق شرعا أن يقوم عمر البشير أو أي كان من حكام المسلمين بالتفريط في أي جزء من الوطن تحت أية ذريعة من الذرائع، فكيف و عمر البشير جاء إلى الحكم على ظهر الدبابة و استولى على الحكم بانقلاب!
هذه الاتفاقية التي سوف يجري استفتاء بمقتضاها يوم 9 يناير من العام القادم يخول لأهل الجنوب الاختيار ما بين البقاء ضمن دولة السودان، أو الانفصال النهائي و تكوين دولة مستقلة خاصة بهم. وقد بات من شبه اليقين أن الجنوب سوف يختار الانفصال، و قد هيأ كل شيء من أجل الانفصال ، فقد أخذ ينقل الأسلحة والمقاتلين إلى الخط الوهمي الذي اعتبر حدا يفصل ما بين الجنوب والشمال!و مع ذلك فما يزال بعض المتورطين في هذه الاتفاقية المشؤومة يرددون كلاما من قبيل الأحلام الوهمية مثل أن أهل الجنوب لن يبتغوا عن وحدة السودان بديلا!؟
إن منح حكومة البشير للإنفصاليين الجنوبيين الحق في الانفصال، ثم بعد ذلك التغني بوهم اختيارهم الوحدة هو بمثابة أن تقوم إسبانيا مثلا بمنح حق الاختيار  لأعضاء منظمة الإيتا الباسكية ما بين الانفصال عن إسبانيا أو البقاء ضمن التراب الإسباني ، أو منح المغرب للإنفصاليين المرتزقة في تندوف حق الاختيار ما بين البقاء ضمن حدود المغرب كما كانوا منذ مآت السنين، أو الانفصال في كيان في الصحراء المغربية ثم بعد ذلك التوقع الزائف بأن يختار الانفصاليون جمع الشمل و الانضمام إلى الدولة الأم.و لو قام الحكام العرب أو المسلمون بمنح هذا الحق في الاختيار لكل من استقوى بالمتآمريين الدوليين، لتفرق الوطن العربي و الإسلامي شذر مذر. ولانفصل كل ذوو الأهواء بكيان يجمعهم. و لما استقام للناس دين و لادنيا. قد تكون مهمة المحافظة على وحدة أراضي السودان مهمة ثقيلة و مكلفة إلا أن عواقب تفتيت وحدة السودان أثقل و أخطر .
إنني لا أريد أن أطيل على القارئ باستعراض تاريخ المؤامرات على السودان، منذ عشرات السنين،و التدخلات الغربية و الإسرائيلية السافرة في الجنوب و التحريض الذي مارسته لعقود، و أعتمد على نباهة القارئ في أن يدرك أن هذه الاتفاقية هي نتاج جهود مؤامراتية بيتت في الخفاء في الدوائر الاستكبارية و الاستعمارية، ستأتي الإشارة إلى بعضها ضمن هذا المقال. و ما يهم هنا هو أن ندرك أن هذه الاتفاقية جاءت نتيجة ضغوط هائلة مارستها بعض الدول الغربية مثل بريطانيا و فرنسا و أمريكا، كما مارستها إسرائيل على هذه الدول للوصول إلى الوضع  الحالي الخطير في السودان، فدعم إسرائيل و أمريكا و بريطانيا للجيش الشعبي لتحرير السودان لم يخف على أحد في العصر الحديث، كما أن مسرحية إدانة البشير بالجرائم ضد الإنسانية التي أدانته بها محكمة الجنايات الدولية التي أدارها كامبو، لم يكن المقصود بها الانتصار لأهل دارفور المسلمين، بل المقصود هو ممارسة أقصى قدر من الضغط على البشير لينصاع للأمر،و لا يعرقل مؤامرتهم في تمزيق السودان، و لا أدل على هذا من كون أمريكا وعدت أن تسوي سائر هذه الملفات العالقة و تزيل اسم السودان من قائمة الإرهاب، و ترفع العقوبات الاقتصادية المفروضة على السودان، و قد جاء السيناتور الأمريكي جون كيري مبعوثا  إلى السودان، في هلع من يخاف أن تفلت منه الفرصة الذهبية، فردد هذه الوعود بصراحة بعيدا عن التقية السياسية المعهودة في الدبلوماسية  الأمريكية. ووعد البشير بأنه سيخرج من كل هذه الملفات مغفورا له ماتقدم من ذنبه و ما تأخر، و سيخرج من تلك الاتهامات  كيوم ولدته أمه إن مر الأمر في سلام دون عرقلة. و سوف يخرج هو و أفراد  حكومته فعلا كذلك إن انفصل الجنوب، سيدركون بعدها أنهم خسروا كل شيء، فالذي يملك أن يدخل من شاء إلى قوائمه السوداء بجرة قلم يملك أيضا أن يعيده  إليها بنصف جرة قلم. و ما أكثر الذرائع في يد من سياسته صنع الذرائع و ترويجها. 
هذه الاتفاقية بليدة، ، و خطيرة، و ظالمة، و غير شرعية و لا دستورية.
بليدة لأنها ستجتزئ أهم جزء استراتيجي في السودان، فالجنوب السوداني هو مصدر لمآت من ينابيع النيل، و مصدر لأكثر من 90 في المئة من روافد نهر النيل،و مسار متقدم لهذا النهر العظيم ، و من يختار طوعا أن يعيش في أسفل الماء سيكون تحت رحمة من اختار التموقع عند المنبع! إن شاء سقاه أو منعه أولوث عليه حياته! و فصل هذا الجزء الحيوي من أرض الوطن، و إخراجه عن سيطرة الدولة السودانية ووضعه تحت سيطرة دولة أخرى تتحكم في العصب الحيوي للسودان، هو خطوة من أغبى الخطوات في العصر الحديث، فمن يمنع الجنوبيين –إن نشب نزاع بينهم و ببين حكومة الشمال- أن يتحكموا في مصادر النيل، أو يقللوا من كمية المياه المتدفقة فيه ببناء سدود و بحيرات!؟خضوعا لدول متربصة كإسرائيل و أمريكا، أو ضغط يستهدف إحراز مواقع متقدمة في أي مفاوضات قادمة حول أي نزاع مفتعل!؟ و ما أكثر دواعيه؟! أولاها مشكلة الحدود التي ظلت عالقة لما بعد الانفصال!.
كما أن هذه الاتفاقية بليدة لكون معظم حقول النفط السودانية تقع في الجنوب أو في الولايات الحدودية، مما يرشح المنطقة إلى نزاعات مستقبلية لا تنتهي، و لإدراك مدى غباوة التوقيع على هذه الاتفاقية فإن 90 في المائة من دخل  السودان و إيراداته تأتي من النفط ، و قد أصبح من شبه المؤكد أنه سيصبح نفطا جنوبيا بامتياز، ومن أسخف ما سمعته من مرافعات حكام السودان أنهم يبحثون مع المسؤولين الجنوبيين مسألة تسديد ديون السودان لأن الدولة السودانية  لن تستطيع الوفاء برد ديونها بعد أن يمسي النفط في يد الجنوبيين و يحرم منه أهل الشمال، و كأن كل المسألة تتلخص في تسديد الديون الحالية، و السؤال هو من أين ستدفع السودان ديونها القادمة على فرض موافقة أهل الجنوب تسديد ديون الشمال الحالية!؟ و من أين ستدفع مرتبات موظفيها، و من أين ستمون مشاريع بناء السودان المحطمة بنيته السفلية و الفوقية.
كما أن هذه الاتفاقية خطيرة لأنها ستمكن الدول المعادية بالتواجد على الحدود،
و قد أعلن أكثر من مسئول سوداني جنوبي بنية حكومة الجنوب إنشاء علاقة دبلوماسية و اقتصادية  و عسكرية مع إسرائيل حتى قبل رفع راية الجنوب رسميا ، فكيف بعد أن تعترف بها الأمم المتحدة !؟و المتتبعون للشأن السوداني يدركون أن إسرائيل دخلت على الخط في محاولة فصل الجنوب منذ الستينات، بل إن بن جورين  وضع من أولوياته تخذيل السودان عن نصرة مصر  و إلهائه في حروب أهلية مع الجنوب، و قد أظهر مقال رائع للدكتور  يوسف نور عوض نشرته القدس العربي تحت عنوان:  استراتيجية التدخل الإسرائيلي في جنوب السودان. أظهر مختلف المراحل التي انتهجتها إسرائيل لإضعاف السودان، و ارتكز هذا المقال على دراسة استراتيجية مطولة قام بها العميد الإسرائيلي  فرجي تظهر أن جميع الحركات الانفصالية في جنوب السودان كانت على علاقة وطيدة بإسرائيل، و أن إسرائيل كانت تزود مختلف حركات التمرد في الجنوب بالسلاح و المال، و أن الأسلحة التي غنمتها إسرائيل في كل من حربي 56 و 67  قد زودت بها عملاءها في جنوب السودان، كما و تظهر الدراسة الإسرائيلية كيف أن جون جرنج كان على اتصال مباشر مع إسرائيل وأنه كان يتلقى الدعم بالسلاح و العتاد منها . وتقول الدراسة إن حركة التمرد طلبت في عام 1992أربعة ملايين طلقة لمدافع رشاشة وخمسة ملايين دولار من أجل استرداد قاعدتي كبويتا وتوريت لأجل تعزيز موقف الحركة التفاوضي في مباحثات السلام.
كل هذه الحقائق و آلاف غيرها يعرفها حكام السودان، أومن المفروض أن يكونوا  على دراية عميقة بها، ومع ذلك يقبلون بانفصال الجنوب. ما يمنع حكومة الجنوب أن تمنح أراضي جنوب السودان لإقامة قواعد عسكرية إسرائيلية أو أمريكية على التخوم الجنوبية للسودان.أي استقلال حقيقي سيبقى للسودان جنوبا و شمالا إذا ما حدث ذلك!؟
لقد دأبت العنجهية الإسرائيلية على تهديد مصر بتدمير السد العالي و إغراقها في مياهه ! ما يمنع إسرائيل من تهديد مصر بإمساك ماء النيل عنها بعد أن تصبح صائلة جائلة في ربوع الجنوب الأخضر!؟بين بحر الغزال، ومنطقة البحيرات الجميلة و منطقة أعالي النيل الرائعة الجمال!؟
هل أدركتم مدى خطورة هذه الاتفاقية المشؤومة؟ و إن تعجب فعجب هذه اللامبالاة المصرية من كل ما يجري ، وكأن الأمر لا يعنيها في شيء، مع أن ما يجري يمس المصالح الاستراتيجية الكبرى لمصر في الصميم، إن التواجد الإسرائيلي في جنوب السودان هو خطوة متقدمة لإسرائيل في إضعاف الموقف المصري و محاصرتها جنوبا.
وهي اتفاقية ظالمة لأنها لم تستشر أهل السودان كلهم في إبرامها ،كما أنها تحرمهم من إبداء موقفهم من تقسيم وطنهم ، فطبقا لاتفاقية "السلام" فإن الذي يحق له التصويت هم أهل الجنوب فقط! أما أهل الشمال فلا يحق لهم المشاركة في الاستفتاء على مصير وطنهم، و هذا من أفظع أنواع الظلم. كما أنها ظالمة لأنها سوف تحرم الملايين من أهل السودان من التجوال في وطنهم و تجاوز الحدود إلى الجنوب، و لعل الأمر يتطور إلى منع أهل الشمال من زيارة ذويهم في الجنوب أو العكس. و قد يشهد السودان موجات ترحيل قصري كما شهدتها الهند و الباكستان بعد 1947 فكثير من المآسي تعقب مثل هذه الاتفاقيات الإستراتيجية.
 و هي ظالمة لأنها سوف تحرم أهل الشمال من ثرواتهم المشروعة من نفط ومعادن و جلها في الجنوب ، فطبقا لهذه الاتفاقية المجحفة فإن للجنوب مصادر المياه و النفط و لأهل الشمال تسديد ديون إنشاء منشآته و الارتماء في يم الفقر و العوز. فرغم أن السودان بلد فلاحي خصب إلا أن البيروقراطية و المحسوبية وانعدام التجهيزات و المكننة و التخلف في التسيير، والفشل التام في جلب الاستثمارات لهذا القطاع الحيوي جعل هذه الميزة بدون قيمة طيلة سنوات حكم الإنقاذ، ومن غير المتوقع إطلاقا أن تنتشل الفلاحة السودانية المتخلفة أهل الشمال من عوزهم و الفقر المنتشر بين أهليهم في مدنهم و بواديهم. و لذلك فالوضع الاقتصادي السوداني مرشح للتدهور الخطير بعد الانفصال الذي أصبح شبه حتمي. و يحلم حكام السودان بالضغط على أهل الجنوب بكون الشمال سيصبح ممرا لأنابيب النفط إلى البحر الأحمر، فلعلهم يفاوضون على فتاته لقاء مرور أنابيبه عبر الشمال! ولكن فاتهم أن دول الهيمنة لن يعجزها مد خطوط أخرى عبر كينيا إلى المحيط الهندي فالمسافة متقاربة ، و حتى عبر إثيوبيا إلى البحر الأحمر رغم وعورة التضاريس. وبذلك ستسقط آخر ورقة في يد حكومة الشمال، و تبقى أغلب الأوراق الوازنة في يد حكومة الانفصال في الجنوب.
وهي أخيرا- و ليس آخرا- غير شرعية  ولا قانونية لأنها لم يوافق عليها الشعب السوداني كله ، كما أنها غير شرعية لأن الحاكم في الإسلام غير مخول له التخلي عن أي جزء من الوطن تحت أي ظرف من الظروف، فهو يعمل مستأجرا للمسلمين و راعيا لمصالحهم و ساهرا على المحافظة على سلامة وطنهم، ولا يحق له التصرف في أرض الوطن كما يشاء، ففاقد الشيء لا يعطيه .
كما أن هذه الاتفاقية ليست دستورية لكونها  تفتح باب الصراع المسلح بين الشمال والجنوب في ظل خلو الاتفاقية من ترتيبات الدولة الجديدة في الجنوب حال الانفصال خصوصا فيما يتعلق بالثروة البترولية، فضلاً عن احتمال نشوب صراع مدمر في الجنوب بين القبائل من أجل السيطرة على الحكم و الثروة.
و غير دستورية لأنها تخل بمبدإ الدفاع عن وحدة الوطن.كما أنها غير شرعية لكونها تخل بمبدإ أساسي في الدستور السوداني الذي ينص على أن جميع ثروات السودان الطبيعية ملكاً لجميع أبناء السودان
و الخلاصة أن التوقيع على هذه الاتفاقية أدخل السودان و شعبه في نفق مظلم و ارتهن مستقبله  لما لا يحصى من الكوارث السياسية و الاجتماعية و الاقتصادية . فهل من  مخلص للسودان من هذه الكارثة؟

0 التعليقات:

إرسال تعليق