الاثنين، 8 أبريل، 2013

حول المقاومة و المقاولة - أحمد الرواس



بين المقاومة والمقاولة
المقاومة فعل إنساني سامي يعلوا بصاحبه إلى معارج القيم الإنسانية الكبرى مثل الشهامة و الشجاعة و الإباء و الكرامة و التضحية و الإيثار و و إلى آخر ما هنالك من قيم إنسانية رفيعة. فالمقاوم يتشح بوسام وتعلق على صدره النياشين بعدد تلكم الخلال النبيلة كلها،ولذلك وجدتم كل أمة تمجد مقاوميها وترفعهم عاليا لأنها تدين لهم في العيش الكريم الذي تعيشه،و مرهونة لجميلهم في الحرية التي بها تتمتع. ولا تكاد تخلوا دولة في العالم إلا وخصصت لتخليد المقاومة و المقاومين أفضل ساحاتها و أوسع و أهم شوارعها، حتى في الدول التي عانى العالم من ويلات استعبادها للشعوب واستعمارها للدول الضعيفة.تسمي ساحاتها بساحات المقاومة و تعلق على أهم شوارعها أسماء المقاومة او أسماء المقاومين. لكن ما ذا لو تحولت هذه القيمة الإنسانية النبيلة إلى جدار يخفي من ورائه كل معاني الخبث و الخيانة و الغدر، ماذا لو تحول شعار المقاومة إلى ماخور يخفي في سراديبه حفنة من القتلة و المجرمين الكبار المتاجرين مع أربابهم بدماء الخصوم و أشلاء الأبرياء ؟ ما ذا لو تحولت فوهات المقومين من وجهة الغزاة الأشقياء إلى صدور المعذبين الأبرياء ؟
ماذا لو استبدلت تلك القيم النبيلة في الدفاع عن المستضعفين بأخرى كريهة تخدم الرفاق المتربصين،وتنفذ على الأرض خططهم التي يبيتون؟ وهل يبقى المقاوم مقاوما إذا ناقض بفعله كل معنى نبيل واستحال إلى نقيض عنوانه فاستبدل الشهامة بالنذالة، و الكرامة بالسفالة ،والحلم بالحقد ،والإيثار بالأثرة ، والإباء  بنقض الوفاء،و الشجاعة بالبشاعة، ما ذا لو تحول المقاوم إلى مرتزق و بعبارة جامعة ما ذا لو تحولت المقاومة إلى مقاولة ؟
في مرحلة من المراحل صفق العرب طويلا للمقاومة اللبنانية لما أبدته من "تضحية" و ثبات في وجه الاستفزازات الصهيونية،و بالرغم من أن تلك المقاومة لم تستطع أن تنفع الفلسطينيين في شيء و اكتفت أمام المذابح المروعة التي انتهجتها "إسرائيل" ضد الأبرياء في فلسطين على مرمى حجر من تلك " المقاومة" واكتفت هي الأخرى بصياغة عبارات التنديد والاستنكار على مدى تاريخ تلك المقاومة!إلا أن الجماهير العربية التي كانت دائما تعيش على أعصابها من فظاعة الممارسات الصهيونية وحالة العجزالعام التي طبعت سائر دول المنطقة كانت الجماهير العربية بحاجة نفسية ماسة إلى تصديق كل انتصار تروج له الآلة الإعلامية لحزب الله و إيران من ورائه، ثم إعادة اجترار تلك الانتصارات و استنسال انتصارات أخرى مولدة عنها. وأصبح الانتصار بالنسبة للكثير من الناس هو ما تمليه تلك القنوات و تصفه لا ما يحدث على الأرض. ورغم أن الخسائر التي ألحقها حزب الله بإسرائيل سنة 2006 لا يمكن مقارنتها بالخسائر التي ألحقتها هي بلبنان، حيث دمرت مآت المباني و دمرت الموانئ و المطارات، ومحطات الوقود، و محطات الكهرباء و قتلت أكثر من 1200 لبناني و لبنانية، بينما الخسائر التي ألحقها الحزب بإسرائيل لا تبلغ معشار ذلك. إلا أن الحزب أصر على ادعاء الانتصار بالرغم من أن حسن نصر الله نفسه قال حرفيا: في مقابلة مع التلفزيون اللبناني وصحيفة "الحياة" اللندنية في سبتمبر 2006 : "قيادة الحزب لم تتوقع ولو واحداً في المائة أن تؤدي العملية إلى حرب بهذه السعة وبهذا الحجم لأنه وبتاريخ الحروب هذا لم يحصل. لو علمنا إن عملية الأسر ستقود إلى هذه النتيجة لما قمنا بها قطعاً." مع كل هذا فقد أصر الحزب على أنه المنتصر في الحرب ! ولم يجد صعوبة في إيجاد من يصدقه! نظرا للحالة النفسية المحبطة التي وصفتُ.و كلما ابتعدنا زمنيا عن فظاعة الخسائر التي كبدتها إسرائيل للبنانيين كلما زاد حجم "انتصار" حزب الله في حرب 2006! ونصيحتي لمن يريد أن يبقى مستكينا ومتلذذا بنشوة ذلك النصر المزيف أن يضرب صفحا عن قراءة حجم الخسائر البشرية و المادية فذلك أدعى ألا تنغص عليه لذة تلك النشوة التي لا تلبث قنوات الحزب و القنوات الإيرانية تنفخ فيها حتى لا تكاد ترى غيرها . و اليوم تجلى للناس كلهم أن تلك المقاومة إن هي في الحقيقة إلا مقاولة لأصحابها الذين أصروا من البداية أن يجعلوها شركة خاصة ذات عنوان طائفي واحد ! فقد صادرت جماعة حزب الله حق المقاومة المسلحة من كل الأطياف الأخرى في لبنان فلسطينية كانت أو لبنانية،وحجزت ذلك الحق على تنظيمها ومن يلتحق بصفوفها من أبناء الطائفة، فلا يحق لأية مجموعة مقاومة غير شيعية، و غير منضوية تحت تنظيم حزب الله، أن تتواجد على الحدود مع فلسطين المحتلة، فحزب الله وحده هو الذي يسيطر على تلك الحدود،وهو وحده الذي خول لنفسه الحق في إبرام اتفاقاته مع الكيان الصهيوني، والتي تتضمن ضمان حزب الله لتلك الحدود والدفاع عنها ضد كل محاولة للتسلل إلى داخل فلسطين.والذي لا يعرفه كثير ممن استبد بهم الحماس أن كل الاتفاقيات و التفاهمات ـ كما يحلو للحزب أن يسميها ـ التي وقعها الحزب مع الكيان الغاشم كانت تقتضي ابتعاد سلاح حزب الله عن الحدود بمسافة كبيرة، دون أن تلتزم إسرائيل بالشيء نفسه، و ضمان عدم تواجد أية قوة مقاومة في تلك المنطقة العازلة، مما حدا بأحد مؤسسي حزب الله و أمينه العام الأسبق الشيخ صبحي الطفيلي أن يصرح بأن حزب الله أمسى عمليا حارسا للحدود المصطنعة للكيان الصهيوني،و قزم دوره من حركة تحررية تهدف إلى تحرير فلسطين إلى مجرد فيلق مقاومة على الحدود.يتحرك بحركة أصابع من يوجهه في طهران متى ما أحست طهران بحاجة إلى تحريكه خدمة لمصالحها القومية و الطائفية. فحزب الله لا يملك قراراته، ولا تصنع سياساتُه داخل لبنان بل هو تابع لسياسة دولة فارس، و لا يملك أمام إملاءاتها إلا التنفيذ و الطاعة،و إلا وجد أمينه العام نفسه مطاردا و متهما كما حدث لمؤسسه الشيخ صبحي الطفيلي! ليس فقط لأنه مرتبط عقائديا بنائب إمام الزمان علي خامنئي، بل لأنه لا يملك أن يعصي أوامر من يقيم أوده و يسلح أفراده، بل و يرسم سياساته.
واليوم ربما نشاهد أشد الفصول مأساوية في تحكم إيران في مفاصل هذا الحزب الطائفي تنظيميا،حيث دفعت به تبعيته المطلقة لحكام إيران ـ ربما عن غير إرادة كاملة منه ـ إلى توريطه حتى النخاع في سفك دماء الأبرياء من الشعب السوري المظلوم، فبالرغم من اليد البيضاء للشعب السوري على هذا الحزب،إلا أن طهران لم تغفر له المطالبة بحقوقه في الحرية والكرامة كباقي الشعوب العربية، فدفعت بصنيعها اللبناني إلى داخل الأراضي السورية و جعلت منهم قناصين يقنصون الأحرار و الحرائر، و جعلت منهم عصابات تقوم بمساندة شبيحة النظام المستبد الفاسد، و لسنا نعرف بالضبط مدى تحمس هذا الحزب للدخول في هذه الحرب القذرة ضد شعب وفيّ جار له ومدى إكراه إيران له على ذلك، إلا أن الواضح أن الحزب يشعر بحرج بالغ من انكشاف دوره في حرب الإبادة التي يشنها حليفه مجرم الحرب بشار، إلى درجة أن ذلك قد ورطه في الظهور أمام العالم بوجه الكذّاب أكثر من مرة، فمرة قال على الملإ أن لا شيء يحدث في حمص! في الوقت الذي قتل فيه مآت الأبرياء و هدمت أكثر من ثلث مبانيها في باب عمرو والخالدية! لأن حسابات سيد القاولة قد ارتكست مرة أخرى فقد كان يظن أن النظام البعثي سيقضي على المعارضة سريعا كما قضى عليها من قبل في حماة يوم قتل حافظ الأسد حوالي 35 ألف من سكان تلك المدينة!
ومرة ادعى أن ميليشياته لا تقاتل في سوريا و فرض تعتيما خانقا على   أفراد حزبه الذين عادوا جثثا هامدة، فصدرت التعليمات لأسر القتلى بالتكتم والسرية! فلما قتل بعض كبار قادته العسكريين في سوريا مثل حسين عبد الغني النمر و علي حسين ناصيف ،قال الحزب إنهم قد قتلوا وهم يؤدون واجبهم الجهادي!! فكانت الفضيحة الكبرى أن يعتبر الحزب أن قتل الأبرياء المطالبين بالحرية والكرامة هو عمل جهادي يكرم مجرموه بوسام الشهادة في عرف إيران وصنيعها حزب الله. و لما افتضح الأمر تماما اضطر حسن نصر الله أن يعلن أن القتلى من أفراد حزبه هم في من سكان المناطق الحدودية وقد اقتنوا السلاح للدفاع عن أنفسهم أمام "العصابات المسلحة " التي تهاجمهم على المناطق الحدودية، أما من يقع منهم في الأسر فسرعان ما يتخلى الحزب عن صفتهم الحزبية و التنظيمية و يدعي أنهم مجرد زوار سائحين يبحثون عن الاستجمام والراحة بين دبابات الأسد ومدافعه!! مرافقين للشبيحة و هم يتجولون بهم في رحلات سياحية من مجزرة إلى مجزرة!! و إنني في الختام أزف بشرى للجميع و هي أن لافتة " المقاومة" التي أرادتها إيران وحزب الله والنظام السوري جُنة يخفون من ورائها جرائمهم البشعة سواء في إبادة بلدات ومدن سورية بأكملها في سوريا أو في التغطية على جرائم الاغتيالات وقتل الأبرياء في لبنان لم يعد ينخدع بها إلا أغبي الأغبياء،و أن حزب الله قد سقط تماما من أعين الشرفاء و زواله بزوال النظام السوري المنهار شيء شبه محتوم.

في 12 نوفمبر 2012



0 التعليقات:

إرسال تعليق