الأربعاء، 10 أبريل، 2013


من اغتال البوطي؟
كل متتبع للأمور يلاحظ تخبطا واضحا وقع فيه نظام الأسد ، يثير الشكوك حول حقيقة الرواية الرسمية التي روجها الإعلام السوري عن اغتيال الشيخ البوطي. حيث قالت الرواية الرسمية أن إرهابيا دخل المسجد و صاح : الله أكبر قبل أن يفجر نفسه ، و كان الانفجار قويا إلى درجة أنه أودى بحياة 49 شخصا. لكن هذه الرواية لا تتطابق مع الصور التي عرضها النظام و التي أظهرت عددا من الجثث الممزقة و الأطراف المتناثرة ، و كتل دموية هنا و هناك تشبه ما سبق للنظام أن رتب له في تفجيرات سابقة...فالصور التي عرضها النظام من عين المكان لا تظهر أية علامة على انفجار بذاك الحجم الذي يقتل كل تلك الأعداد، و الدليل أن السجاد بدا نظيفا و ليس به أية علامة على أي احتراق، أو شظايا نارية. كما أن كل الأمور المعلقة و المجاورة لمنصة البوطي بدت في مكانها، مثل المراوح، و المقعد الذي يجلس عليه البوطي و المقعد الآخر الذي يقع خلفه تماما، و ثريا المحراب المجاور له بل حتى كتب البوطي التي كان يلقي منها ظلت فوق المنصة.
و ما هي إلا أيام حتى تأكدت الشكوك حول زيف الرواية الرسميةـ فقد ظهر للوجود شريط يسجل اللحظات الأخيرة قبيل الانفجار و بعده. و فيه يظهر البوطي يلقي درسه، ثم وقع انفجار صغير نجا منه البوطي سالما لم يحدث له شيءـ و الدليل هو أنه أعاد ترتيب عمامته فوق رأسه بشكل طبيعي، كما أن وجهه بدا سليما لا أثر للدماء عليه إطلاقا، و في هذه اللحظة يبادر شخص قوي البنية و يمد يديه نحو البوطي ليسقط رأسه على الفور جهة الشمال بفعل طلقة أو طعنة. و بمجرد أن يسقط البوطي ينسحب ذلك الشخص على عجل ليظهر على رسغ البوطي أثر طلق ناري و الدم يتفق من فمه، و هو فاقد للوعي  تماما و يلفظ أنفاسه الأخيرة.بعد ذلك فقط يظهر بعض الأشخاص و هم يحاولون إنزاله من مقعده.
مقارنة الروايتين:
من خلال هذا الشريط او الأشرطة التي ظهرت يبدو أن شكوك المراقبين حول الرواية الرسمية الأولى كانت في محلها، و أن استنتاجاتهم المؤسسة على الصور و التصريحات التي عرضها النظام ، و التي تفيد بزيف الرواية الرسمية و كون النظام هو من رتب لاغتيال البوطي ، هي استنتاجات صحيحة.

تخبط متلاحق:
يقول المثل : يكاد المريب يقول : خذوني !
فالنظام ظهر على رواياته الاضطراب و حتى التناقض مما يؤكد مسؤوليته عن اغتيال البوطي. فعندما ظهر الأشرطة الأخيرة التي ما يزال تسريبها محل غموض، بحيث لا يُدرى هل النظام هو من سمح بتسريب تلك الأشرطة أم أن هناك متعاونين مع الجيش الحر من داخل النظام هم من قاموا بتسريب الأشرطة، كما حدث في فضيحة التلفيق الإعلامي السوري لتلك الفتاة التي ادعت أن أفرادا من الجيش الحر قاموا باغتصابهاـ ثم فيما بعد و قعت الفضيحة عندما سرب أحد الإعلاميين من داخل الدائرة الإعلامية للنظام الشريط الحقيقي الذي فضح تمثيل المشهد بشكل سافر جدا.
أقول عندما ظهرت الأشرطة الأخيرة وقع في اضطراب أكثر فبادر إلى الطعن في صدقية ذلك الشريط، و ادعى أنه مفبرك في استديوهات الجزيرة أو العربية !! ثم أظهر الإعلام الرسمي السوري ما قال إنه أدلة على زيف الشريط، و تتمثل "أدلته" فيما يلي:
1 أن الذي صور الشرط صوره من على شاشة جهاز تلفاز !
2 أن الخلفية الماثلة وراء البوطي تختلف عن الخلفية "الحقيقية" التي عرضعا الإعلام الرسمي
3 أن صوت البوطي سيختفي بعد الانفجار !
و هذه التعليلات الواهية و المتهافتة، تزيد من الشكوك حول تورط المخابرات السورية في اغتيال البوطي بالرغم  من أن النظام أوردها لإبعاد التهمة عنه.
بالنسبة للمطعن الأول فإنه قد ظهرت للوجود أشرطة أخرى أوضح ، و مأخوذة بشكل مباشر و ليس من على شاشة جهاز ناقل. و عند مقابلة تلك الأشرطة يتبين بما لا يدع مجالا للريب أبدا أن هناك تطابقا تاما، و قد عُرضت تلك الأشرطة على عدد من ذوي الاختصاص فأكدوا أن الأشرطة حقيقية و ليست مزورة أبدا.
بالنسبة للمطعن الثاني المتعلق بالخلفيةـ فإن الخلفية كانت مغطاة بقماش عليه نقوش لكن القماش سقط بفعل الانفجار فظهرت الخلفية الحقيقية التي يجلس أمامها البوطي. فالصور التي عرضها النظام تعود إلى ما بعد الانفجار و ليس قبله.
بالنسبة للمطعن الثالث، فإن انقطاع الصوت هو من جراء انقطاع أسلاك المايك أو تعطل جهاز المكبر المجاور.
مزيد من تخبط النظام.
بعد أن طعن النظام في الشريط المسرب تقع مفاجأة أخرى حيث يظهر على الإخبارية السورية إبن الشيخ البوطي توفيق ليؤكد ما جاء في الشريط المسرب تماما، غير أنه وقع هو الآخر في تناقضات قد يكون مردها إلى تلقين معين أجبر على الإدلاء به و هو قوله بأن الشخص الذي قام إلى البوطي  كان إبنه، أي حفيد البوطي و هو نفس الشخص الذي مات جراء الانفجار، و برر ذلك بطريقة لا تسع العقل أبدا، حيث قال بأن ولده لم يكن قد شعر بما أصابه جراء الانفجار بالرغم من أنه كان يجلس مباشرة أمام الشيخ البوطي 
! فقام واقفا على إثر التفجير من محاولة إسعاف البوطي، و رأيناه يمسك برأس البوطي قبل أن يندفع رأس البوطي بقوة نحو يسار ذلك الرجل، و ينسحب على عجل، بينما ظهر أشخاص آخرون يحاولون حمل الشيخ البوطي.
و المعلوم أن حفيد البوطي قتل في نفس الانفجار 
!
لكن ما يناقض هذه الرواية أن الرجل كان يبدو بصحة جيدة، و حركاته كانت متزنة سواء عند إقدامه على الإمساك برأس البوطي أو عندما انسحب. فكيف تصح في العقول مثل هذه الرواية؟ كيف يقوم شخص من مكانه و يخطوا نحو المنصة و يمسك برأس البوطي ثم يقوم بالانسحاب على عجل و هو في نفس الوقت مصاب إصابة قاتلة جراء الانفجار الذي أودى به؟
و قد بدا على ابن البوطي الذي فقد الولد و الوالد معا الحزن العميق و هو يحاول التهرب من الخوض كثيرا في روايات المعارضة المناقضة للرواية الرسمية، بالرغم من محاولة  المذيع جره إلى ذلك، و كأنه يعلم شيئا لا يريد البوح  به.
و المعلوم أن القاعدة التي يتهمها النظام بقتل البوطي، لا تستنكف عن تبني كل العمليات التي تقوم بها، و كذلك جبهة النصرة، فكيف و قد نفوا أية علاقة لهم بهذه العملية الإجرامية بكل المقاييس؟
كما أن مما يزيد من الشك في النظام أن بشار نفسه ضبط يكذب أكثر من مرة، لعل آخرها بشأن البوطي عندما صرح لجريدة يسارية تركية مغمورة أنهم قتلوا البوطي و قتلوا عالما آخر في حلب لأنهم يريدون أن يفجروا فتنة طائفية بسوريا. و العالم الآخر الذي يتحدث عنه بشار هو الشيخ
حسن سيف الدين حمو الماردلي امام جامع الحسن بحي الشيخ مقصود بحلب و الذي زعم إعلام الأيد أنهم قتلوه و وضعوا رأسه على مأذنة مسجد الحسن الذي كان إماما فيه. لكن الثوار أظهروا الشيخ حسن المؤيد للنظام و هو حي يرزق و يستنكر رواية النظام الذي وصفه بالفاسق.

ما مصلحة النظام في قتل البوطي؟
البعض يحاول أن يبعد التهمة عن النظام بالتساؤل حول مصلحة النظام في قتل كبار مؤيديه. و هؤلاء قد يكونوا معذورين بجهلهم للطبيعة الدموية و المخابارتية للنظام الأسدي، فالنظام السوري يحتكم إلى التقارير المخابراتية، و ينفذ الخطط الجهنمية المبيتة في أقبية المخابرات مهما بلغت درجة قذارتها و وحشيتها. لقد غاب عن هؤلاء أن النظام الأسدي ضالع في مثل هذه الاغتيالات القذرة، و له تاريخ دموي من الإجرام ضد مختلف الطوائف و الفئات. فقد ذبح النظام مآت الفلسطينين و عشرات الآلاف من السورين خلال حكمه الاستبدادي  الطويل. و هو لا يعرف حرمة لا لعالم و لا لفنان و لا لكاتب و لا لمدني بريء.
هناك عدة احتمالات قد تكون دفعت النظام إلى قتل البوطي.
أولا: لأنه كان يخشى أن ينقلب في مواقفه بعدما أصبحت صورة النظام الوحشية جلية جدا، و أصبح السوريون يرون عشرات الصواريخ البالستية تنطلق من قواعدها نحو المناطق السورية في الشمال، و يرون طائرات النظام و هي تسقط حمم الموت على جيرانهم في دمشق و ريفها، و النظام يريد أن يحتفظ برصيده من تأييد البوطي له كاملا غير منقوص. و حيث أنه قد استنفذ منه أغراضه أراد أن ينهيه بهذه الطريقة.
ثانيا: النظام يتصور أنه بهذه الطريقة سيرفع من نقمة من تبقى من مؤيديه بعد أن يشوه صورة المعارضة بإلصاق وحشيته بها.
ثالثا: لعل النظام ما يزال يطمع في انضمام الأكراد إليه، فالمعلوم أن البوطي كردي الأصل و له سمعة طيبة بين الأكراد، فبإلصاق تهمة قتله بالثوار يأمل النظام في إحداث شرخ بين الأكراد في الشمال بين الحسكة و القامشلي، عساه يحتفظ بموطئ قدم له على الحدود مع نظام المالكي الحليف.
إن وهم تحقق أي من هذه الأهداف كاف بإغراء النظام بتصفية أحد كبار مؤيديه مثل البوطي.
مما يثير مزيدا من الشكوك أن النظام لم يعرض أي شريط لذلك الحادث الإجرامي حتى الآن. و لعله يعكف الآن على فبركة شريط آخر، أو تهيئة أشخاص تحت التعذيب بالإدلاء باعترافات بتورطهم في الجريمة كما فعل مع ذلك الشخص البريء الذي جيء به يعترف بأنه قد اغتصب تلك البنت الشبيحة التي مثلت دور الضحية، و فضحها تماما الفيديو المسرب قبل شهور.
الحقيقة لن تظهر كاملة إلا بعد سقوط الطاغية، و وضع اليد على إرشيفات المخابرات، يومها سيصعق العالم بمدى وحشية و إجرامية هذا النظام الطائفي المقيت. و يومئذ يفرح المومنون بنصر الله.

0 التعليقات:

إرسال تعليق