الأربعاء، 3 أبريل 2013

تهافت استدلال الشيعة الإمامية بحديث المنزلة/ أحمد الرواس


4 - أوجه بطلان الاستدلال بحديث المنزلة
 نأتي الآن إلى شبهة أخرى كثيرا ما حبر بها الشيعة الإمامية كتبهم الجدالية، و هي حديث المنزلة: حيث  ورد عن النبي ص أنه قال لعي رضي الله عنه: " أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا انه لا نبي بعدي"
و نص الحديث في صحيح البخاري هو:
"حدثني محمد بن بشار حدثنا غندر حدثنا شعبة عن سعد قال : سمعت إبراهيم بن سعد عن أبيه قال : قال النبي  لعلي أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى"[1]
و نص الحديث في صحيح مسلم هو: "حدثنا قتيبة بن سعيد ومحمد بن عباد وتقاربا في اللفظ قالا حدثنا حاتم وهو ابن إسمعيل عن بكير بن مسمار عن عامر بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه قال أمر معاوية بن أبي سفيان سعدا فقال ما منعك أن تسب أبا التراب فقال أما ما ذكرت ثلاثا قالهن له رسول الله صلى الله عليه وسلم فلن أسبه لأن تكون لي واحدة منهن أحب إلي من حمر النعم  سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول له خلفه في بعض مغازيه فقال له علي يا رسول الله خلفتني مع النساء والصبيان فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبوة بعدي….الحديث [2]
و للحديث طرق أخرى و روي عن أكثر من صحابي مثل جابر بن عبد الله و سعد بن أبي وقاص و سعد بن مالك كما في مسند أحمد و مسند بن الجعد و طبقات بن سعد و غيرها كثير.
و يحاول الشيعة الإمامية أن يحملوا هذا الحديث كعادتهم على الإمامة و الوصية لعلي، و  لكن نجوم السماء أقرب إليهم من ذلك. و ذلك لمخالفة نص الحديث لما يريدون، و لأن كل الوقائع التاريخية المحيطة بهذا الحديث تصادم تماما ما يزعمه الشيعة.
وو جه الاستدلال عندهم  هو استخلاف الرسول لعلي و عقد المقارنة ين موسى و هارون، فالقرآن الكريم يقول: "وإذ قال موسى لأخيه هارون أخلفني في قومي و أصلح و لا تتبع سيل لمفسدين ".
وإذا أردنا أن ندرس المسألة في إطارها الذي وقعت و قيلت فيه، يتبين لنا بما لا يدع مجالا للشك في أن لا دليل البتة في هذا الحديث على النص على علي في خلافة الرسول بعد موته، فمسألة الحكم بعد الرسول  تنظمها الآية الكريمة : و أمرهم شورى بينهم.،
أولا: لنرى السياق الذي قال فيه الرسول ص ما قاله لعلي. بالرجوع إلى المسألة نجد أنه عند خروج الرسول ص إلى غزوة تبوك في ما يربوا على 30 ألفا من الصحابة
 خلف عليا على أهله بالمدينة، فقال بعض اليهود و بعض حلفائهم من المنافقين: ما خلفه إلا لاستثقاله!و التخفف منه ،فآلم ذلك عليا و حمل سلاحه، و لحق بالرسول خارج المدينة يعلن له عن رغبته في مشاركة إخوانه من الصحابة في قتال الروم بدل البقاء حيث أقامه الرسول، إذ ذاك قال له الرسول : أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي.في إشارة إلى ما فعله موسى لما ذهب ليناجي ربه إذ  ترك هارون على قومه حتى يعود ! هذا كل ما في الأمر ، ولا يفهم من هذا أية إشارة إلى أن يخلفه بعد مماته، ففي هذا الزعم تقويل للرسول ما لم يقله، و تحميل للنص ما لا  يتحمله.
أولا:  لأن هارون- كما هو ثابت في كتب التفسير- كان أكبر سنا من موسى، و هناك أحاديث تثبت أن موسى و أخاه الأكبر هارون كان معا بعيدين عن بني إسرائيل فحضرت هارون المنية فكان موسى هو الذي سجاه و دفنه، فلما عاد إلى بني إسرائيل بادروا إلى اتهام موسى بالكيد لأخيه هارون، فاستنكر ظنونهم قائلا هل أقتل أخي؟ فأيد الله موسى بمعجزة أبطلت اتهام بني إسرائيل لموسى بدم هارون.
و مسألة موت هارون قبل موسى مسألة مستفيضة ذكرتها الموسوعات التاريخية مثل البداية و النهاية لابن كثير و غيرها. بل حتى التوراة و الإنجيل ذكرت هذا الأمر، كما سيأتي. فهارون إذن لم يخلف موسى في قومه بعد مماته، و إنما خلفه فيهم لأيام معدودات 40 ليلة. ريثما عاد من مناجاة ربه. و هي القصة المذكورة في سورة الأعراف آية 141 إذ يقول القرآن: "و واعدنا موسى ثلاثين ليلة و أتممناها بعشر فتم ميقات ربه أربعين ليلة، و قال موسى لأخيه هارون اخلفني في قومي و أصلح و لا تتبع سبيل المفسدين"
فهارون إذن مات في حياة موسى عليه السلام و لم يخلفه في أمته بعد مماته، فكيف يستسيغ الشيعة الإمامية حمل الحديث و قياسه على واقع لم يحدث أصلا.
إذ المعلوم أن الذي خلف موسى على قومه بعد مماته هو فتاه يوشع بن نون. كما جاء في أكثر من حديث
ثانيا : إن كان الرسول قد استخلف عليا يوم الخروج إلى تبوك فقد استخلف غيره من باقي الصحابة مرارا في كل غزواته كأبي بكر و عمر و بن أم مكتوم ، و قد استخلف الرسول عثمان مرارا، فلوا كان مجرد هذا الاستخلاف في الغزوات تثبت به الخلافة بعد الرسول لكان غير علي أولى بالخلافة لتكرر ذلك منه لهم أكثر من تكرره لعلي.فتأمل 
و لا أجدني في حاجة إلى إثبات تكرار استخلاف بعض الصحابة أكثر من تكرار استخلافه لعلي فالمسألة مشهورة و يسهل إثباتها،فعثمان رضي الله عنه استخلفه الرسول ص أكثر من مرة فقد استخلفه في غزوة غطفان و كذلك في غزوة ذات الرقاع. كما أن الرسول ص قد استخلف عمرو بن أم مكتوم على المدينة  حوالي 10 [3]مرات  و استخلف سيدنا عثمان بن عفان مرتين ،[4]و استخلف سباع بن عرفطة 4 مرات [5]و سعد بن عبادة مرتين [6] و زيد بن حارثة مرتين [7]و أبا لبابة 3 مرات.[8] و هكذا فلو كانت الخلافة بعده تثبت لمن استخلفه الرسول على المدينة أو غيرها في حياته لكان الذي تكرر منه لهم ذلك أجدر بالخلافة العامة لتكرار استخلافه لهم.
فالاستخلاف هنا خاص و ليس عاما، و قد يماري بعض ملالي الإثناعشرية من الشيعة أن العبارة تفيد العموم لكون القاعدة تقول أن النكرة إذا وقعت في سياق الإثبات أفادت العموم ! و هذا تدليس على من ليس له باع طويل في دقائق علم أصول الفقه أو صيغ العموم في العربية ، لأن القاعدة تقول أن المفرد المضاف إلى معرفة أو اسم الجنس المضاف إلى معرفة 
يفيد العهد و ليس العموم. و بالتالي يكون معنى قوله ص :" أنت مني بمنزلة هارون من موسى" أن الإضافة فيها للعهد و العبارة تنصرف إلى معهود جلي في السياق و هو الاستخلاف المؤقت في الأهل ريثما يعود النبي ص من غزوة تبوك. تماما كما استخلف موسى أخاه هارون لأربعين ليلة فقط. فدعوى العموم مرجوحة في هذا الحديث.
و حتى لو نحينا إرادة العهد من حسابنا افتراضا، فإن لفظة "بمنزلة" تصبح نكرة في سياق الإثبات فتفيد بذلك العموم البدلي و ليس العموم الشمولي كما قد يُتوهم، و هو بهذا يشبه العام المراد به الخاص و ليس العام المخصوص فالمراد بعض ما تشتمل عليه" المنزلة"
و عند التأمل في قول الرسول ص بعد: إلا أنه لا نبي بعدي. نتساءل ما ذا كان يعني ص بهذا الاستثناء؟ هل كان مقصود الرسول ص أن ينبه عليا أو أحدا من المسلمين أنه لا يصح أن يأتي نبي بعده، و هل علي رضي الله عنه أو أحد من الصحابة كان بحاجة إلى مثل هذا التنبيه من رسول الله ص و هم جميعا يقرأون في كتاب الله  قوله تعالى: " ما كان محمد أبا أحد من رجالكم و لكن رسول الله و خاتم النبيئين" هل كان يخشى أن يلتبس الأمر على علي كرم الله وجهه فيفهم من الحديث أنه ما دام قد قام مقام هارون النبي من أخيه موسى فيصح أن يقوم علي مقام محمد في النبوة بعد انتقاله للرفيق الأعلى؟ كل من يذهب إلى مثل هذا التأويل فقد ذهب إلى فهم سقيم. و لكن المعنى – و الله أعلم- هو التنبيه إلى أنه لا خليفة موصى إليه بعده، فشبه مقام الإمامة بمقام النبوة. فكأنه يقول ص لعلي: أنت خليفتي على أهلي ريثما أعود من تبوك، و لا تفهمن من ذلك يا علي أنني بهذا أوصي لك بالخلافة بعد انتهاء عهد النبوة بمماتي. فهذا النفي الاستدراكي" إلا أنه…" يفهم منه التنبيه على عدم تجاوز ذلك الاستخلاف لزمنه المحدد و لمجاله المحدد الذي هو الاستخلاف على الأهل أو حتى على المدينة و طيلة مدة غيابه عنها.
و إنني و الله كأني أستشعر في كلام الرسول ص لعلي تنبيها على غلو و غي من اتخذ من هذا الحديث ذريعة لتقويل الرسول ص ما لم يقله و تحميل خطابه ما لا يتحمله.
ثم إن تأويل الإثنى عشرية لهذا الحديث يعاني من معضلة مدمرة أخرى، و هي أن الذي خلف موسى على قومه بعد مماته لم يكن هارون الذي توفي قبل موسى فموسى هو الذي سجاه و دفنه كما مر، بل الذي خلفه على قومه من بني إسرائيل كان هو فتاه يوشع بن نون، و هو الذي رافق موسى في رحلته مع الخضر و قد ذكره الله في القرآن: و إذ قال موسى لفتاه لا أبرح حتى أبلغ مجمع البحرين أو أمضي حقبا فلما جاوزا قال لفتاه آتنا غذاءنا قد لقينا من سفرنا هذا نصبا" سورة الكهف.
 ففي صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي ‏الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "غزا نبي من الأنبياء … فقال للشمس ‏أنت مأمورة وأنا مأمور ، اللهم احبسها علي شيئا " والذي دل على أن هذا النبي هو يوشع ‏بن نون فتى موسى، قوله صلى الله عليه وسلم : " إن الشمس لم تحبس إلا ليوشع ليالي سار ‏إلى بيت المقدس " رواه أحمد. ‏
و المعلوم أن الذي دخل بيت المقدس ببني إسرائيل هو يوشع بن نون. بعد أن أخرجهم من التيه. فلو أن الرسول ص قال: أنت مني بمنزلة يوشع من موسى لكان أقرب إلى وهم الشيعة من هذا الحديث.  و قد وقع خلاف بين المحدثين و المؤرخين فيمن دخل بيت المقدس هل هو موسى عليه السلام أم هو يوشع من بعده و لكن الجميع يتفق على أن هارون مات قبل موسى و يوشع هو من خلف موسى على قومه بعد موته فقد روى الطبري في تاريخ الأمم و الملوك عند ذكره  ليوشع بن نون عليه السلام قال:
ثم ابتعث الله عز و جل بعد موسى عليه السلام يوشع بن نون بن إفراييم بن يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم نبيا وأمره بالمسير إلى أريحا لحرب من فيها من الجبارين فاختلف السلف من أهل العلم في ذلك وعلى يد من كان ذلك ومتى سار يوشع إليها في حياة موسى بن عمران كان مسيره إليها أم بعد وفاته 
فقال بعضهم لم يسر يوشع إلى أريحا ولا أمر بالمسير إليها إلا بعد موت موسى وبعد هلاك جميع من كان أبى المسير إليها مع موسى بن عمران حين أمرهم الله تعالى بقتال من فيها من الجبارين وقالوا مات موسى وهارون جميعا في التيه قبل خروجهما منهذكر من قال ذلك 
"حدثني عبد الكريم بن الهيثم قال: حدثنا إبراهيم بن بشار قال حدثنا سفيان قال قال أبو سعيد عن عكرمة عن ابن عباس قال قال الله تعالى لما دعا موسى يعني بدعائه قوله رب إني لا أملك إلا نفسي وأخي فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين قال فإنها محرمة عليهم أربعين سنة يتيهون في الأرض ( 1 ) قال فدخلوا التيه فكل من دخل التيه ممن جاوز العشرين سنة مات في التيه قال فمات موسى في التيه ومات هارون قبله قال فلبثوا في تيههم أربعين سنة وناهض يوشع بمن بقي معه مدينة الجبارين فافتتح يوشع المدينة 
[9]
و في موسوعة الحديث نقرأ نفس الرواية تحت رقم الحديث: 344
حَدَّثَنِي عَبْدُ الْكَرِيمِ بْنُ الْهَيْثَمِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ بَشَّارٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، قَالَ: قَالَ أَبُو سَعِيدٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ
ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ : قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : " لَمَّا دَعَا مُوسَى , يَعْنِي بِدُعَائِهِ قَوْلِهِ : رَبِّ إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلا نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ { 25 } قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الأَرْضِ سورة المائدة آية 25-26 ، قَالَ : فَدَخَلُوا التِّيهَ فَكُلُّ مَنْ دَخَلَ التِّيهَ مِمَّنْ جَاوَزَ الْعِشْرِينَ سَنَةً مَاتَ فِي التِّيهِ ، قَالَ : فَمَاتَ مُوسَى فِي التِّيهِ ، وَمَاتَ هَارُونُ قَبْلَهُ ، قَالَ : فَلَبِثُوا فِي تِيهِهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً ، وَنَاهَضَ يُوشَعُ بِمَنْ بَقِيَ مَعَهُ مَدِينَةَ الْجَبَّارِينَ ، فَافْتَتَحَ يُوشَعُ الْمَدِينَةَ " .
فقد وقع الإجماع على أن الذي خلف موسى بعد موته هو يوشع بن نون بل حتى علماء الشيعة يقرون بذلك، و أهل الكتاب أيضا ففي سفر التثنية 31: 7  نقرأ: فدعا موسى يشوع وقال له امام اعين جميع إسرائيل. تشدد وتشجع لانك انت تدخل مع هذا الشعب الأرض التي اقسم الرب لآبائهم ان يعطيهم اياها وانت تقسمها لهم
و في مطلع  سفر يشوع نقرأ:
كان بعد موت موسى عبد الرب ان الرب كلم يشوع بن نون خادم موسى قائلا. موسى عبدي قد مات. فالآن قم اعبر هذا الأردن انت وكل هذا الشعب إلى الأرض التي انا معطيها لهم أي لبني إسرائيل. كل موضع تدوسه بطون اقدامكم لكم اعطيته كما كلمت موسى. من البرية ولبنان هذا إلى النهر الكبير نهر الفرات جميع أرض الحثّيين والى البحر الكبير نحو مغرب الشمس يكون تخمكم. لا يقف إنسان في وجهك كل أيام حياتك. كما كنت مع موسى اكون معك. لا أهملك ولا اتركك. تشدد وتشجع. لانك انت تقسم لهذا الشعب الأرض التي حلفت لآبائهم ان اعطيهم. انما كن متشددا وتشجع جدا لكي تتحفظ للعمل حسب كل الشريعة التي امرك بها موسى عبدي. لا تمل عنها يمينا ولا شمالا لكي تفلح حيثما تذهب. لا يبرح سفر هذه الشريعة من فمك. بل تلهج فيه نهارا وليلا لكي تتحفظ للعمل حسب كل ما هو مكتوب فيه. لانك حينئذ تصلح طريقك وحينئذ تفلح. أما أمرتك. تشدد وتشجّع. لا ترهب ولا ترتعب لان الرب الهك معك حيثما تذهب
فأمر يشوع عرفاء الشعب قائلا جوزوا في وسط المحلّة وأمروا الشعب قائلين. هيّئوا لانفسكم زادا لانكم بعد ثلاثة أيام تعبرون الأردن هذا لكي تدخلوا فتمتلكوا الأرض التي يعطيكم الرب الهكم لتمتلكوها. ثم كلم يشوع الرأوبينيين والجاديين ونصف سبط منسّى قائلا اذكروا الكلام الذي أمركم به موسى عبد الرب قائلا. الرب الهكم قد اراحكم واعطاكم هذه الأرض. نساؤكم واطفالكم ومواشيكم تلبث في الأرض التي اعطاكم موسى في عبر الأردن وانتم تعبرون متجهزين امام اخوتكم كل الأبطال ذوي البأس وتعينونهم حتى يريح الرب اخوتكم مثلكم ويمتلكوا هم أيضا الأرض التي يعطيهم الرب الهكم ثم ترجعون إلى أرض ميراثكم وتمتلكونها التي اعطاكم موسى عبد الرب في عبر الأردن نحو شروق الشمس. فاجابوا يشوع قائلين. كل ما أمرتنا به نعمله وحيثما ترسلنا نذهب. حسب كل ما سمعنا لموسى نسمع لك. انما الرب الهك يكون معك كما كان مع موسى. كل إنسان يعصى قولك ولا يسمع كلامك في كل ما تأمره به يقتل. انما كن متشددا وتشجّع.
يشوع 1: 1-18
ثم إن هناك ملاحظة جديرة بالتأمل و هي أن ذلك القول من الرسول ص لعلي رضي الله عنه لم يكن ابتداء بل كان تطييبا لخاطره بعد أن لحق به و هو خارج المدينة مبديا اعتراضه على بقائه بين المخلفين فقال له الرسول ص ما قاله. فهل إذا كان الأمر يتعلق بإبداء مكانة علي، و كان الأمر عقيدة لا يجوز للرسول ص أن يغفلها حتى أنهم من أجلها ادعوا تحريف القرآن الكريم فقالوا مثلا إن الصحابة هم من حذف اسم علي من القرآن و زعموا إفكا مبينا لما قالوا إن قوله تعالى يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك ( و زادوا: في علي) !!!  لو كان الأمر يتعلق بتثبيت أمر عقائدي من أساسيات الدين و أعظم من فريضتي الصلاة و الزكاة كما يأفكون،هل كان الرسول سيغفل هذا الأمر و ينتظر حتى  يأتيه علي بصورة فجائية ؟ ثم  لو قارنا بين ذلك و قول رسول الله في حق أبي بكر إبتداء: " يأبى الله و رسوله إلا أبا بكر" في إصرار النبي ص على أن يخلفه أبو بكر في إمامته للمسلمين في المسجد في مرض رسول الله الذي توف فيه. لعلمنا أنه أبلغ في الدلالة على إمامة أبي بكر بعد موته من هذا الحديث الذي به يتعللون.
و ملاحظة أخرى هي أنه ص  إذا كان يقصد من قوله:" أنت مني بمنزلة هارون من موسى" أي أنك الذي تخلفني بعد موتي لكان بمثابة بشرى و وعد نبوي له، فكيف لا يحقق الله سبحانه بشرى نبيه و وعده؟ الحق أنه لو كان عنى ذلك لما تخلف وعده أبدا، و لطوع المهيمن العزيز  له الظروف و الأسباب و لأصبح هو الخليفة بعده، و لكان أول الخلفاء و ليس رابعهم.
ثم إن هناك مفارقة عجيبة متعلقة بهذا الزخرف الذي ينشئه علماء الشيعة حول هذا الحديث النبوي الذي يحاولون لي عنقه قسرا لحيي باطلهم و هو أن عليا رضي الله عنه لم يستشهد يوما بهذا الحديث، فكيف يجوز له أن يكتم على الناس أمرا أو إشارة للنبي ص بخلافته.بل قد استفاضت الأخبار عن علي رضي الله عنه ناطقة بعكس ما يفترون فقد أخرج أحمد والبيهقي بسند حسن عن علي رضي الله عنه أنه لما ظهر علي يوم الجمل قال : " أيها الناس إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يعهد إلينا في هذه الإمارة شيئاً حتى رأينا من الرأي أن نستخلف أبا بكر ، فأقام واستقام ، حتى مضى لسبيله ، ثم إن أبا بكر رأى من الرأي أن يستخلف عمر ، فأقام واستقام حتى ضرب الدين بجرانه[10] ثم إن أقواماً طلبوا الدنيا فكانت أمور يقضي الله فيها " .
وأخرج الحاكم وصححه أنه قيل لعلي : ألا تستخلف علينا ؟ فقال : ما استخلف رسول الله صلى الله عليه وسلم فأستخلف ، ولكن إن يرد الله بالناس خيراً فسيجمعهم بعدي على خيرهم كما جمعهم بعد نبيهم على خيرهم " .
وما أخرجه ابن سعد عن علي أيضاً قال : قال علي لما قبض النبي صلى الله عليه وسلم نظرنا في أمرنا فوجدنا النبي صلى الله عليه وسلم قد قدم أبا بكر في الصلاة فرضينا لدنيانا ما رضيه النبي صلى الله عليه وسلم لديننا ، فقدمنا أبا بكر 
[11]" . و نفس الشيء يقال عن الحسن و الحسين فلم يؤثر عن أحد منهما أنه احتج بشيء مما نسجه الإمامية من باطل بعد موتهم. و من يقرأ كتب الإمامية العقائدية و الجدالية يحس أن القوم بعيدون كل البعد عن التأسي بأئمتهم، بل في أحيان كثيرة تحس أنهم  هم من يريدون أن يتبعهم الأئمة في باطلهم و ليس العكس، و طريقتهم السمجة هي التشبث بأخبار ملفقة تحبل بها كتبهم الحديثية التي حشر فيها الغلاة ما شاءوا من أباطيل و زندقة بعد 3 قرون من موت علي[12] رضي الله عنه، ثم عندما تحاججهم بأن عليا و الحسن و الحسين أو أي من الأئمة يخالف و يناقض ما هم عليه من ادعاء العصمة لهم، أو أن الإمامة محصورة فيهم بادروا إلى القول بأنهم فعلوا ما فعلوا و امتنعوا عما امتنعوا تقية !!

و هكذا أيها القراء الأعزاء يتبين بجلاء تهافت الإثناعشرية في استدلالهم بهذا الحديث.


[1]   باب مناقب علي رضي الله عنه الحديث رقم [ 3503 ]
[2]   باب فضائل الصحابة الحديث رقم 2404 و معنى قول معاوية لسعد ما منعك أن تسب عليا، أي أنه أراد أن يحتج على من كان ينتقص منه من مثل الخوارج و الأزارقة الذين اشاهروا بسبه و دعوا إلى قتله بل و شاركوا في محاولة قتله في حروبهم العديدة معه. و لا يعقل مطلقا أن يكون أراد الاستفهام أو أراد أن يحمله على سبه، فهذا لا يتصور إلا في العقول المريضة ببغض الصحابة، و دليلي على ذلك أمور كثيرة لكني في هذه العجالة أقتصر على واحدة فقط و هي أن الحسن و الحسين كانا يترددان على معاوية في الشام و كانا يجلسان هنده أياما و كان يبالغ في إكرامهما فهل يعقل أن يرتاح الحسنان بالمكوث مع من يسب أباهما أو يأمر الناس بسبه على المنابر و هما يسمعان؟ و هل يتصور أن يرضى خيار الأمة من معاوية هذا الفعل الشنيع، إنها من الأكاذيب المضحكة للروافض الذين يستحلون الكذب على رسول الله فبالأحرى على معاوية.
[3]   الغزوات التي بمناسبتها استخلف رسول الله ص عمرو بن أم مكتوم هي: حمراء الأسد، قرقرة الكد( نجران)،بني سليم،أحد،بني النضير،الخندق،بني قريضة،بني لحيان،الغابة،الحديبية،فتح مكة. مع خلاف بسيط فيها .
[4]   في غزوة غطفان و غزوة ذات الرقاع.
[5]   الغزوات التي استخلف فيها رسول الله: سيدنا سباع بن عرفطة: نجران،دومة الجندل،خيبر،تبوك. أما علي رضي الله عنه فقد خلفه رسول الله ص في غزوة تبوك على أهله باعتباره بن عمه.
[6]   استخلفه على المدينة في غزوة الأبواء و غزوة الغابة على ا لصحيح.
[7]    بدر الأولى و غزوة بني المصطلق.
[8]    بدر الكبرى، بني قنيقاع،غزوة السويق.
   9]   تاريخ الطبري: محمد بن جرير الطبري أبو جعفر
الناشر : دار الكتب العلمية – بيروت ج1 ص 255
[10]   أي حتى استقر أمر الإسلام وانتشر و استتب.
[11]   طبقات بن سعد
[12]   فالكليني صاحب الكافي عاش في القرن الرابع و توفي سنة  329  و القمي ( إبن بابويه) توفي سنة 381 و الطوسي صاحب عمودين من أعمدة الحديث عند الإمامية و هما التهذيب و الاستبصار فقد عاش في القرن الخامس و توفي سنة 460 ه

في 5 يوليو 2012


………….يتبع بحول الله و قوته

0 التعليقات:

إرسال تعليق