الاثنين، 8 أبريل، 2013

معيار لقياس الإنسانية في المواقف البشرية / أحمد الرواس


هل يوجد معيار لقياس إنسانية الإنسان؟ هل يمكن لنا أن نعرف أن س من الناس أكثر إنسانية أو أقل؟
كي نقترب من الإجابة لا بد أن نعرج على مفهوم الإنسانية أولا. لأن ضبابية هذا المفهوم هي التي سحبت الضبابية على هذه القيمة " الإنسانية"
لو ذهبنا نستفتي المعاجم و الفلاسفة و علماء الأخلاق و علماء الاجتماع عن مفهوم الإنسانية لتشعبت بنا الطرق و غمت علينا الأجواء.و كأن مفهوم الإنسانية وعاء كل الناس تملأه بما تملك من رؤيا و ميولات نفسية.و تصورات عقلية فكل ينفق مما عنده، و كل إناء بالذي فيه يطفح.
فالعرب جعلوا معنى الإنسان يدور على معاني ثلاثة النسيان، و الظهور، و الأُنس. والإنسان في تصوري كل هذه المعاني الأساسية فيه و ليس واحدا منها.فمن ميزات الإنسان الأساسية النسيان، وفي النسيان رحمة و نقمة،و لذلك ذكر بن منظور في القاموس أن ابن عباس قال:إنما سمي الإنسان إنسانا لنسيانه لما عهد إليه و هو يشير إلى قول الحق في سورة البقرة : و لقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي و لم نجد له عزما " أو من الظهور
 والانكشاف في مقابل الجن الذي صفته الأساسية التخفي و الاستتار. و لذلك سمي الجن جنا، من جن الليل إذا أظلم.و من ذلك سمي الجنين جنينا لتخفيه عن الأعين في رحم أمه في ظلمات ثلاث. و قد تتبعت كلمة إنس في القرآن فألفيتها قد ذكرت 18 مرة لا تأتي إلا مقرونة بالجن.أما كلمة "الإنسان" فقد جاء ذكرها في القرآن الكريم 65 مرة، تدور حول مواضع صفات الضعف في هذا الكائن مثل النسيان و نكران الجميل،و سرعة الجزع،و سرعة البطر وجاءت مذكرة  بأصله الطيني،و كثرة جهله. و جاءت في معرض إبراز سرعة غرور الإنسان، و شدة تثاقله إلى أصله الطيني و ذهوله عن مكامن رقيه الروحي.
"فإذا مس الإنسان ضر دعانا  لجنبه أو قاعدا أو قائما"
"لا يسأم الإنسان من دعاء الخير و إن مسه الشر فذوا دعاء عريض"
"و إذا أنعمنا على الإنسان أعرض و نآى بجانبه"
"و إذا أذقنا الإنسان منا رحمة فرح بها"
"فإن الإنسان كفور"  "و كان الإنسان عجولا"
"فلما نجاكم إلى البر أعرضتم و كان الإنسان كفورا"
"إن الإنسان لكفور مبين."
" يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم الذي خلقك فسواك فعدلك في أي صورة ما شاء ركبك."
و عند استقرائنا للمعاني التي ترسم ظلها موارد القرآن و السنة لتوصلنا إلى معاني عميقة تسبر أغوار جبلة الإنسان المفطور عليها و للامسنا الفضاءات  الانهائية التي مكنت روح الإنسان من التحليق في رحابها. و لكن ليس هذا هو مقصد هذا المقال هنا. إنما القصد المعنى المتداول للإنسانية.
في كل القواميس الفلسفية و المفاهيمية و حتى اللسانية نرى تركيزا على الجانب الإيجابي في الإنسان. كالإحساس بالشفقة، و الرحمة ،و التعاطف، و الإيثار، و نكران الذات، و غيرها من المعاني السامية التي ترتقي إليها النفوس الإنسانية في حالة الصفاء الروحي ،و الإرتقاء الأخلاقي، و تجُافيها في حالة الانكدار الروحي، و الارتكاس الأخلاقي. و اتفاق البشر على مشترك تثمين هذه القيم الرفيعة في الإنسان دليل ملموس على صلاحيتها كمعيار يؤشر لمدى  إنسانية الإنسان أو همجيته.فكلما زاد اتسامه بهذه القيم و مثيلاتها و تجلياتها، كلما زادت في المقابل إنسانيته، و كلما إنعدمت فيه هذه القيم، فَسحت المجالَ تلقائيا لبروز نقيضها من صفات القسوة ،و الأنانية ،و حب الذات ،إلى أن تنحدر به إلى دركات الهمجية والحيوانية و الطغيان و البطش و غيرها من الصفات الهابطة في سلم الأخلاق.
هناك مواطن تفتضح فيها خبايا الإنسان و تتعرى فيها حقيقته أكثر من غيرها،فعندما تكون هناك صراعات و حروب، و يتحزب الناس بسببها طبقا لأرائهم و ميولاتهم العقائدية، أو استجابة لأوهامهم التي راكموها خلال فترات خضعوا فيها لصبيب دعاية ما لصالح نظام أو جماعة أو نحلة ما أو ضده.فترُغم خبايا هذا الإنسان على الوقوف على المحك. فإما انسجام مع تلك المعاني الإنسانية السامية، و إما تنكر لها و تنكب لمدلولاتها تعصبا لهذه الجهة أو تلك.
اليوم يعج زمانُنا بالأحداث و المآسي و الفظائع، فنحن كعرب و مسلمين شهدنا في العشر سنوات الماضية عدة حروب مدمرة طالت العرب و المسلمين، فمن تدمير العراق و أفغانستان على يد الاحتلال الأمريكي إلى العدوان الإسرائيلي المتكرر على الفلسطينيين و اللبنانيين، إلى ما حدث من قتل و قمع في تونس و مصر و اليمن، و ما حدث من همجية في ليبيا، و ما يحدث حاليا من همجية و حرب إبادة قذرة في سوريا . و عند تأمُّلنا في هذه الأمثلة نجد أن الغالبية الساحقة من البشرية حافظت في العموم  على وفائها لتلك القيم الإنسانية ،فاستنكرت المذابح والتدمير الذي حدث في أفغانستان و العراق ، رأينا ذلك حتى في البلدان التي أرسلت حكوماتها جنودها و طائراتها للتدمير هناك مثل أمريكا و ببريطانيا و أستراليا حيث اندلعت عشرات المظاهرات في لندن و واشنطن تطالب بإيقاف تلك الوحشية و إنهاء الحرب، و كان شعار كثير من تلك المظاهرات: ليس باسمناNot on our name !  أي أن  تلك الحشود تربأ بنفسها عن تلك  الوحشية التي تمارسها قواتهم في تلك البلدان.كما أن الغالبية الساحقة من العرب و المسلمين قد أحسوا بالإهانة و الغضب الشديد من ذلك الاعتداء و تلك الهمجية و المعاملات الاإنسانية التي عومل بها إخوانهم في العراق أو أفي أفغانستان أو فلسطين أو في ليبيا أو اليمن أو مصر أو في سوريا اليوم. و قد عبروا كغيرهم من الشعوب عن سخطهم و تبرئهم من تلك الأنظمة الهمجية سواء في ليبيا أو سوريا أو في إيران الداعمة للطغيان الأسدي.و رأينا عشرات المظاهرات و الاعتصامات  في مختلف أنحاء العالم تنديدا و تعبيرا عن التضامن مع المضطهدين و المستضعفين. و هذا السلوك و هذا الشعور ينسجم تماما مع قيمة "الإنسانية" التي جُبل عليها البشر.و بالتالي يمكننا القطع بأن هذه الغالبية تتسم على العموم بصفة الإنسانية، و تتجمَّل بقيم الرحمة  و التعاطف، و الشعور بالتضامن، و التعالي عن رجس الأنانية.
لكن في المقابل كانت هناك قلة شاذة لم تزدها تلك الهمجية إلا قسوة في القلب و تبلُّدا في الشعور.و تعصبا للطغاة المبيرين. ففي العراق رأينا طائفة من الناس تنتشي نفوسهم بسيول الدماء التي أريقت، و تطرب آذانها لسماع تلك الانفجارات، أنا لا أتحدث هنا على أبناء تلك الطائفة الذين شاركوا المحتل في قتل الأبرياء، و تصدروا صفوفهم في قتل المقاومين وأبنائهم و إذلال عائلاتهم ثم انخرطوا في حرب إبادة طائفية ضد مخالفيهم، الحديث هنا عن تلك الفئة التي و لو أنها لم تشارك بالفعل في ممارسة الهمجية إلا أنها تمثَّلته نفسيا و خطابا و كتابة. و في فلسطين نرى أن الغالبية من اليهود منسجمة مع حكوماتها المعتدية و المصادرة لحقوق الإنسان الفلسطيني تعصبا و عنصرية.
شواذ أخرى رأيناها في مصر و تونس من فلول النظام الفاسد، و رأينا نماذج بشعة منها في ليبيا حيث ظلت قلة شاذة من الليبيين تدافع عن وحشية القذافي و نظامه الفاسد و لا تزال إلى يومنا هذا.
و أخيرا ينتصب أفظعُ مثال للهمجية أمامنا اليوم، ألا و هو مثال النظام الأسدي البعثي في سوريا، حيث ينخرط نظام القمع هناك في حرب إبادة حقيقية للسكان المستضعفين، و يمارس عليهم كل أصناف التعذيب، و الحصار، و التجويع، و التهجير و القتل، لم يسبق أن سمعنا أو قرأنا مثيلا لها إلا في حروب التتار، و المغول  و مع ذلك برز للوجود أصناف  من الناس مشوهة الفطرة، تبلَّد إحساسهم الإنساني،و طغت على نفوسهم القسوة، بحيث أصبحوا من الشذوذ إلى درجة أن نفوسهم المريضة أمست تتشفى برؤية جثث الضحايا، و تصفق للجلاد و تهيم بتمجيده. هذه الفئة لا تقتصر على بعض الرعاع من الناس بل ضمت إلى حظيرتها الوسخة حتى بعض الفنانين و الإعلاميين المأجورين و بعض دعاة القومية، و ضمت إليها المسؤولين الإيرانيين و حزب الله في لبنان، و من لف لفهم في العراق و غيره..أمام هذا الواقع الفظيع لا يملك الإنسان إلا أن يستنتج أن هذا الصنف الشاذ من البشر قد تجرد من إنسانيته و أبان عن وحشيته.و هو لا يقل وحشية عن من يمارس ذبح الأطفال و النساء و تمزيق أجسادهم الطاهرة بالقنابل الفراغية و البراميل المتفجرة، أو يحرقهم بالسموم و الغازات الكيميائية. لا فرق بين سفاح يمارس القتل و آخر يوفر له التمويه و ينظف له ساحات الجريمة.فكلهم في الهمجية سواء.

 في 10 يناير 2013 الساعة: 12:51 م


0 التعليقات:

إرسال تعليق