الخميس، 14 فبراير، 2013

ما هي الأسباب الحقيقية وراء الانهيارات الاقتصادية المتوالية – أحمد الرواس

                                                           إلى أين يتجه عالمنا
في ظل تداعي الانهيارات الاقتصادية المخيفة?(1)
-أحمد الرواس-
من القضايا التي يقف الناس حولها مندهشين مسألة الأزمات الاقتصادية الحادة التي تطفو على السطح من حين لآخر، و يسري تأثيرها المدمر كما تسري النار في الهشيم فتبدأ في بلد يبعد آلاف الأميال لكنها سرعان ما تلفح نارها الملتهبة الوجوه في دول وراء البحار و المحيطات. و أغلب الناس لا يفهمون سر هذه الأزمات بل حتى الذين نشبت بين ظهورهم نارها يلتبس عليهم أمرها و تخفى عليهم أسبابها الحقيقية .
ففي سنة 2008 تفجرت أزمة مالية واقتصادية كبرى في الولايات المتحدة الأمريكية على غير موعد و قد كانت تنعم في الازدهار الاقتصادي و ترفل في عز الدولار و قوته و رواج الأسهم و أرباحها،و عرف قطاع العقار
رواجا و تطورا منقطع النظير، و در على أصحابه الملايير في فترات قياسية، و فجأة بدأت كبار الشركات الاستثمارية و البنوك تنهار واحدة بعد الأخرى و فجأة تتحول تلك الطفرة الاقتصادية إلى كساد و بوار اقتصادي اختفت معه من السوق تريليونات الدولارات و كأنها قد تبخرت تبخرا و انمحقت انمحاقا.و إذا ببلدان في أقاصي الأرض تصيبها العدوى فتفقد أسواق القيم فيها بلايين الدولارات مثل دول الخليج و اليابان و دول أوربية كثيرة مثل أيرلندا و البرتغال و إسبانيا و اليونان.<--more-->
تذكرنا هذه الأزمة الحالية بالأزمة الكبرى لعام 1929 و التي فقدت القيم و الأسهم أكثر من 90 في المائة من قيمتها و أدت إلى إفلاس المآت من الشركات.فما هي إذن أسباب مثل هذه الأزمات؟
و كيف تؤثر في الدول الأخرى؟ و كيف السبيل إلى الوقاية منها؟ و هل هي أزمات تلقائية أم مفتعلة ؟
و هل للتعامل بالربا دور في مثل هذه الأزمات؟ و لماذا لم تتأثر كثيرا البنوك الإسلامية بهذه الأزمة بل حققت كثير من البنوك الإسلامية أرباحا ملموسة في الوقت الذي كانت كبار المؤسسات المالية في أمريكا مثل ليمن براذرز تعلن إفلاسها أو تستجدي دعم الحكومة الأمريكية؟
و ما مدى حقيقة مطالبة كثير من الجهات و الخبراء الاقتصاديين باعتماد معايير الاقتصاد الإسلامي و تطعيم النظام المالي العالمي به؟
سأحاول في هذه السلسلة من المقالات أن أجيب على هذه الأسئلة و أحاول أن أوضح لرواد هذه المدونة الكرام بعض الجوانب المظلمة في النظام الرأسمالي، و المخاطر التي تهدد كل الاقتصاديات المرتبطة به خصوصا تلك الدول العربية التي تسعّر عملتها بالدولار مثل معظم دول الخليج.
جذور الأزمات الاقتصادية  تكمن في النظام الرأسمالي نفسه، فهو نظام يميزه التسيب و يخدم عادات سيئة تضر بالمجتمع مثل صفة الشره الشديد و الإخلال بالمنافسة الشريفة و تكريس قانون الغاب في الأسواق المالية و التجارية، فالغلبة في الأسواق الرأسمالية تكون دائما للأقوى، و الأقوى في فلسفة الرأسمالي المادي هو الأصلح، و الأجدر وجودا، فكلما كانت بضاعتك في تلك الأسواق ضعيفة كلما عوملت بالإسفاف و ألامبالاة و كلما سهل على الشركات العملاقة ابتلاعك أو تركك لمصيرك المحتوم الذي هو البوار المحقق أمام مخالب الوحوش الكاسرة و المتصارعة في الأسواق.
من خلال استقراء مسيرة النظام الرأسمالي خلال القرن الماضي تتبدى للعيان أمامنا تلك المحاولات الأولى لحكومة الولايات المتحدة الأمريكية –رائدة النظام الرأسمالي- للتحايل على الدول الأخرى و الاستيلاء على ثروات الناس من خلال تفصيل آليات تخدم هذا الشره الرأسمالي الأمريكي ، و في هذا الصدد قامت الولايات المتحدة بإنشاء ما سمي ب بنك الاحتياطي الفدرالي الأمريكي أو Federal Reserve   أواخر سنة 1913 و أصبح لهذه الخزينة 12 فرعا في المدن الرئيسة بالولايات المتحدة  الأمريكية، و ينص نظامها الأساسي على أنها أنشئت للسهر على المصالح العامة للشعب الأمريكي و المصالح الخاصة للبنوك و الشركات، كما أنها تقوم –حسب القانون المؤسس على تنظيم إدارة الأسهم و العمل على استقرار الأسعار و ضبط التضخم.و الإشراف على حركة البنوك ،لكن أهم دور فعال تقوم به الخزانة العامة هو طباعة أوراق الدولار …و الغريب في الأمر أن هذه الخزينة العامة أو البنك المركزي الأمريكي هو مؤسسة خاصة و ليست عامة، أي أن طباعة العملة الأمريكية و كمية الأوراق المطبوعة يتم التحكم فيها من قبل رؤساء بنوك خاصة. و بالتالي فهي عبارة عن شركة استثمارية تقوم بطبع العملة و الحصول في مقابل ذلك على أرباح خيالية مباشرة، و أرباح قارونية غير مباشرة هي ما يحصل عليه الاقتصاد الأمريكي ككل من ضخ مزيد من الأوراق النقدية في الأسواق العالمية كلما اقتضت مصلحة الاقتصاد الأمريكي ذلك.ففي سنة 2010  مثلا جنى بنك الاحتياط الأمريكي أرباحا مباشرة قدرها 82 بليون دولار..ذهب 3 بلايين منها إلى الخزينة الأمريكية.
المحطة الثانية التي لا يمكن تجاوزها في مهمة معرفة أسباب الأزمات القاتلة و التي يسببها النظام الاقتصادي الرأسمالي الأمريكي هو فك ارتباط الدولار بالذهب. فقد ظهرت بوادر ذلك عقب الحرب العالمية الثانية حيث ألغت السندات الذهبية علاقتها بالدولار الأمريكي، نظرا ربما لعدم قدرة الخزينة الأمريكية على الوفاء بتوفير المقابل الذهبي للطلب الهائل على تلك السندات عقب الحرب العالمية الثانية و ما لعبه الاقتصاد الأمريكي في إعادة بناء أوروبا. لكن في عام 1973 و في عهد الرئيس نكسون تم اتخاذ قرار غير مسبوق بفك ارتباط عملة الدولار بالذهب بشكل نهائي.و أصبح في وسع أمريكا منذ ذلك التاريخ أن تطبع من أوراق الدولار ما يحلوا لها دون الالتفات إلى احتياطاتها من المعدن الأصفر ! لكن السؤال هو كيف يمكنها تجاوز المخاطر الاقتصادية المحتمة لمثل هذا النهج و الوقوع في آسار التضخم  الذي ينتج تلقائيا عن مثل هذا الفعل المجازف؟ و الإجابة على هذا السؤال تمكّن من معرفة إحدى أمكر الوسائل التي ينتهجها الاقتصاد الأمريكي الذي يعد بحق أكبر اقتصاد في العالم حتى الآن.و يستولي على أكثر من 30% من النشاط الاقتصادي العالمي.
قبل أن تقدم الولايات المتحدة على قرار فك ارتباط عملتها بالذهب كانت قد مهدت الطريق أمام عملتها كي تصبح عملة عالمية، و عملة مرجعية في التجارة الدولية و أصبحت أهم السلع في العالم من البترول و الغاز و القمح و المعادن و السلاح و السيارات و المعدات الثقيلة  و غيرها كلها تسعر بالدولار، بل إن نسبة أوراق الدولار المتواجدة حاليا في الأسواق العالمية تصل إلى 50% من كمية كل أوراق العملات الدولية الأخرى ، فكل دولة تريد شراء احتياجاتها  إلا و يلزمها توفير ثمنها بالعملة الصعبة و التي هي في الغالب الأغلب الدولار.و هذا ما يؤدي تلقائيا إلى زيادة الطلب على الورقة الخضراء التي توفرها الخزينة الأمريكية طبقا لسياسات محددة تأخذ في الاعتبار التربح من مجرد توفير هذه العملة، التي أصبحت خلافا لباقي العملات الدولية، عبارة عن سلعة يتحكم فيها قانون العرض و الطلب. و ربما أزعم أن أمريكا استبدلت بمعيار الذهب الذي كان  يضبط عملتها بمعيار: قانون العرض و الطلب.فلأمريكا القدرة على التحكم في نسب صرف عملتها مقابل العملات الأخرى، فهي تعلي من قيمة صرف الدولار أمام ما شاءت من العملات المنافسة إذا كان في ذلك ما يفيدها اقتصاديا، و ذلك بضبط تدفق صنابيره إلى العالم !كما و تزيد من إغراق الأسواق بأوراق الدولار إذا كانت مصلحتها تقتضي خفض سعر الدولار تجاه أية عملة عالمية طبقا لمصلحتها.
فأمريكا تفضل في أحيان كثيرة أن ينخفض سعر صرف الدولار أمام الياون – العملة الصينية- إلى 5.5 ياون للدولار الواحد بدل 8 ياونات ! و ذلك لأن ضعف الدولار يشجع الصينيين على استهلاك الصادرات الأمريكية للصين مثل الحديد و الآليات الثقيلة و المنتجات الزراعية و الآلات المصنعة و غيرها ! مما يحافظ على التوازن في الميزان التجاري بين البلدين. و بدل أن تعي بعض الدول مخاطر تلاعب أمريكا بسعر الدولار و ميلها الغالب نحو تخفيض قيمته فيبحثون لهم عن عملات أكثر استقرارا لعملياتهم التجارية أو لربط عملاتهم بها فقد قامت بعض الدول بمغامرة ربط عملتها المحلية بالدولار بعد أن عينت سعرا مرجعيا ثابتا له لعملتها. فأمست عملاتها حبيسة قدَر الدولار فإذا ارتفع ارتفعت و إذا انخفض انخفضت.كمثل دول مجلس التعاون الخليجي عدا الكويت.و قد تكبّدت العملات المحلية خسائر لا تحصى من جراء ضعف الدولار أمام اليورو و غيره من العملات، كما أن بيع الدول العربية للبترول بتسعيرة الدولار جلب عليها خسائر فادحة خلال فترة ضعف الدولار، و صلت إلى مشارف تكلفة الإنتاج في فترات انخفاض البترول ابتداء من 2003. و إن كانت هذه الدول لا يؤثر على اقتصادياتها انخفاض صرف سعر الدولار اليوم فلأن أسعار النفط مرتفعة نسبيا. و إلا فإن عملية حسابية بسيطة تحسب الفرق الذي تخسره هذه الدول من انخفاض سعر الدولار مقابل اليورو مثلا سيظهر خسارة بمآت البلايين تتكبدها هذه البلدان فداء للعملة الأمريكية.
و هكذا استطاعت أمريكا أن توجد لعملتها مدافعين عنها و مضحين من أجلها عبر العالم، لأنهم أمسوا في ظل سياسات الهيمنة الأمريكية المدعومة بالظل العسكري عاجزين عن الخروج من تحت نير الدولار ، و هذا الأمر لا ينطبق على الدول العربية فحسب بل يتعداه إلى دول كبيرة مثل الصين و اليابان و دول منطقة اليورو بأسرها ففي ظل سياسة العولمة أصبحت اقتصاديات العالم مرتبطة بالإقتصاد الأمريكي و يصعب على الملاحظ أن يرى المنطقة العازلة. بل إن كثيرا من دول العالم بما فيها الصين ذات النهج الاشتراكي أصبحت ترى مستقبلها الاقتصادي مرهونا بازدهار الاقتصاد الأمريكي ، و بالتالي فإذا ما وصل إلى شفير الهاوية خافت تلك الدول من أن ينحدر اقتصادها إلى الهاوية بانحدار الاقتصاد الأمريكي.و هذا الواقع الغريب هو الذي أوجد ما يمكن أن يكون حالة الامبالاة التي بدأت تظهر على المسئولين الاقتصاديين الأمريكيين من المعالجة الجدية لتخفيض المديونية الأمريكية، و العجز الهائل في الميزانية، ففي جميع دول العالم إذا ما تفاقم عجز ميزانياتها تقوم بتقليل النفقات و انتهاج أساليب اقتصادية مثل التقشف و رفع الدعم و غيرها من الأساليب، إلا أمريكا التي تقابل العجز في ميزانيتها بزيادة الإنفاق خصوصا على جيشها الذي يتجاوز أعداده في العالم عن المليونين ! 
إن فك ارتباط الدولار بالذهب و ما أعقبه من فرض العملة الأمريكية التي لم يعد هناك ما يدعمها غير ظل الهيمنة الأمريكية المدعومة عسكريا قد حول الشركاء التجاريين لأمريكا مثل الصين و اليابان و غيرهما  إلى أعداء. يقول روبرت مانويل الحائز على جائزة نوبل في الاقتصاد معلقا على هذه الحالة السريالية بين البلدان الأكثر استهلاكا لمنتجات بعضها البعض ما أترجمه كما يلي:
عندما كان نظام النقد الدولي مرتبطا بالدولار المدعوم بالذهب فإن الدولار يومها كان يضمن استقرار و استقلال النظام النقدي و وفر ثابتا و ركيزة   لسعر الفائدة المتحكم فيها، و وفّروا استقرارا للتضخم و عندما انهار معيار الذهب فإن مثل هذه الآليات التلقائية الثمينة اختفت و انتقل العالم إلى حالة من التضخم الدائم، و أصبح النظام المالي الدولي الحالي لا يتحكم لا في استقلالية العملات ولا استقرارا الأسعار، و بدل أن يستند إلى التوازن الطبيعي الناتج عن التلقائية فإن القوى العظمى تلجأ إلى اعتبار شركائها التجاريين أعداء و تعاملهم على هذا الأساس .
المصدر: The Business Insider  15 Oct 2009
 ربما يمكن أن نفهم التدخل السافر للإدارة الأمريكية و استغلال هيمنتها و وزنها العسكري و الاقتصادي لفرض ما تريد على الدول الأخرى كلما عجزت آلياتها السالفة الذكر عن توجيه الاقتصاد الأمريكي في المسار الذي يخدم اللوبيات الاقتصادية على أراضيها في ظل ما قاله روبرت مانويل ، فمثلا في أواسط 2007 و عندما كانت الأجواء الاقتصادية ملبدة بغيوم تنذر بحرب اقتصادية و تجارية قام رئيس الخزانة الأمريكية السيد باولصون بزيارة للصين و حثهم على ضرورة تعديل سعر صرف الدولار لديهم ، بغض النظر عما تعنيه مثل هذه الخطوة المرتجلة من مخاطر على الاقتصاد الصيني. مما سمته الصحافة الصينية بالخيار النووي ! كانت  هذه الحلقة بمثابة الخلفية التاريخية و الإطار العام الذي يتحرك فيه الاقتصاد الأمريكي و العالمي. و في الحلقة الثانية القادمة بحول الله سأحاول أن أسلط الضوء على بواعث الأزمات الاقتصادية الكبرى التي تربك العالم و تتسبب بخسائر أرقامها فلكية و آثارها مخيفة.سأحاول أن أنشر الحلقة الثانية خلال يومين بحول الله.
إلى اللقاء في الحلقة القادمة

كتبهاأحمد الرواس ، في 2 نوفمبر 2011 الساعة: 10:31 في مدونة مكتوب قبل نقلها هنا

0 التعليقات:

إرسال تعليق