الأربعاء، 4 ديسمبر، 2013

من علامات الانهزام الحضاري للأمم



من بين مظاهر الانهزام الحضاري للدول، ضعف اهتمامها بلغتها الرسمية و تعلقها الفضولي الاستجدائي بلغات الدول الأخرى . فلقد قرر العالم الاجتماعي عبد الرحمن بن خلدون قاعدة تُعد معيارا للإنهزام النفسي للشعوب، تقول :
 إن المغلوب مولع بتقليد الغالب.
هذه القاعدة للأسف تنطبق على قطاع كبير من المجتمعات العربية خصوصا في  شمال إفريقيا في تونس و الجزائر و المغرب..
فهذه الشعوب تعيش ما يشبه الانفصام النكد مع تاريخها، و حضارتها، و تراثها الغني الذي جعل منها شعوبا ذاع صيتها في العالم. و تعيش منذ فترة من الدهر ما يمكن أن يطلق عليه :الغيبوبة الحضارية التي يعاني صاحبها من التشرد الحضاري.

اليوم هذه الشعوب لا تكاد تتلمس طريقها في مسيرة التقدم مع الأمم الأخرى..و أكثر ما يعكس تخلفها عن الركب هو تهاونها في الاعتناء بلغتها القومية و الحضارية على حساب التعلق الاستجدائي بلغات أمم أخرى.. و الأدهى من ذلك أن بعض مثقفيها المسْتَلبين للأجنبي يروجون بين شعوبها لأطروحة غاية في الانعزال، و التقوقع الحضاري المنذر - في حال تطبيقه - بالدخول في سبات انحطاطي طويل ألا و هي الدعوة إلى النكوص عن تدريس اطفالنا في المغرب بالعربية الفصحى، و إرغام الأطفال على التعلم بالدارجة المحلية التي تختلف مفرداتها و تعبيراتها و مفاهيمها من منطقة و مدينة إلى أخرى.
من مظاهر التخلف الكبير لهذه الدول أنها لا تملك هيئات أو جهات جادة تسهر على احترام لغتها الرسمية، حيث تركت حبل لغتها الرسمي على غاربه، و أهملت هذا الحقل الذي يمثل أساسا من أسس مقوماتها الحضارية ، و ركيزة من ركائز شخصيتها المتميزة بين الشعوب....فأصبح كل من هب و دب من الشركات تعبث بلغة الشعب و تمتهنا بالطريقة التي تحلوا لها دونما رقيب أو حسيب.
و مثال صارخ على هذا الاستهتار ما تقوم به في المغرب شركة ميدي تيل الأجنبية بتعمد نشر إعلاناتها المختلفة بدارجة سوقية، تعكس عقلية التسكع و الابتذال و الاستهتار، غير آبهة بما ينص عليه الدستور المغربي من أن اللغة العربية هي اللغة الرسمية للمغرب.
و أصبحت هذه الشركات الأجنبية هي من تفرض على المغاربة اللغة و اللهجة التي يجب أن تخاطبهم بها في عقر دارهم.
طبعا في دول أخرى خصوصا الدول الأوروبية لا تحلم مثل هذه الشركات أن تتجرأ على تجاوز قواعد اللغات الرسمية لهذه الدول..
ففي بريطانيا، و فرنسا، و بلجيكا، و ألمانيا، و السويد، و حتى إسبانيا، و البرتغال هنالك قوانين صارمة، و هيآت علمية جادة تسهر على مراقبة استعمال اللغة الرسمية للدولة و تراقب إعلانات الشركات و على مدى مطابقتها للسياسة اللغوية الصارمة لهذه البلدان.
إذا رغبت في أن ترى   علامة احتضار أمة فانظر إلى مدى استهتارها بلغتها. فإن كانت غير آبهة بها، و مفضلة لغات أخرى عليها فاعم أنه الإفلاس الحضاري البين الذي ينتج عنه الزوال الحتمي.  

0 التعليقات:

إرسال تعليق