الثلاثاء، 3 ديسمبر 2013

السياسات اللغوية بين الأمم المتقدمة و الدول التابعة. أحمد الرواس

يعرف المغرب حاليا ضجة إعلامية حول اقتراح  التدريس بالدارجة بدل اللغة العربية الفصحى، و الذي تقدمت به شخصية عرفت في عالم الاقتصاد أكثر مما عرفت في عالم الثقافة و البيداغوجيا. و بالرغم من انه كان يمكن تجاهل هذا الموضوع باعتبار أن أنصاره لا يمثلون شريحة عريضة في المجتمع فبعض الإحصاءات أظهرت أن ما يقرب من 90 في المائة من الشعب المغربي يعارضون المقترح بشدة، على رغم كل الجهود التي بذلها أصحاب هذا المقترح في الترويج له. و باعتبار أن الغالبية من أهل الثقافة و العلم في المغرب حتى من هم محسوبون على التيار العلماني المتشدد مثل الدكتور العروي لا يشاطرون عيوش منظوره إن لم نقل بأن موقفهم احتجاجي ، لكن أهمية هذا النقاش هو أنه جاء ليحرك المياه الراكدة حول الإشكال اللغوي عموما في بلادنا.و في شمال إفريقيا.
لا شك أن لغة أية أمة هي الجزء الأهم في مقومات شخصيتها، و ركيزة من أهم ركائزها الحضارية، بل و قاطرة أساسيىة في مسيرتها التنموية. و رابطة قوية تُمسك بأزمتها من التشتت و الضياع. يقول
 الفيلسوف الألماني الشهير فيخته Johann Gottlieb Fichte1762-1814: في كتابه: " وظيفة الإنسان" The vocation of man ((اللغة تجعل من الأمة الناطقة بها كلاً متراصاً خاضعاً لقوانين . إنها الرابطة الحقيقية بين عالم الأجسام، وعالم الأذهان". و بمثل هذه الخطابات و الكتابات عن أهمية التشبث باللغة الألمانية  التي كان يقوم بها فيختيه في بداية القرن التاسع عشر، استطاع أن يجمع شتات الأمة الألمانية حول عامل لغتها لتقف أمام الاحتلال الفرنسي و تتخلص منه .[1] 
فكان دوره في التركيز على اللغة الألمانية التي تجسد الشخصية القومية للألمان شبيه بموقف زعيم المقاومة الجزائرية عبد القادر الجزائري في لمه لشمل الجزائريين حول محور اللغة العربية و الدين الإسلامي في طرده للإحتلال الفرنسي.
الأمة التي لا تولي أهمية كبرى للغتها القومية  ليس لها شأن في الحاضر، و لن يكون لها شأن في المستقبل. إذ من المسلم عند كل الباحثين أن الإنسان لا يبدع خارج لغته، وحيث ينعدم الإبداع تنعدم معه القدرة على التقدم و التأثير في المحيط، مما يفضي إلى تأخر و تقهقر في سلم التنافس الحضاري.. ولا أدل على صدق هذا الاستنتاج ما عرفه العرب من تقدم، و رقي مقارنة بغيرهم من الأمم يوم كان العرب يعتنون بلغتهم، و يُدرسون بها جميع العلوم من الفلسفة و المنطق إلى العلوم البحتة من علم فلك، و فيزياء و طب، و هندسة.و كانت أوروبا تبعث بطلابها ليتتلمذوا على علماء العرب في جامعاتهم، سواء في القرويين بفاس  أو القيروان بتونس، أو في جامعات غرناطة و إشبيلية، و قرطبة، و الزهراء و طليطلة أو في بغداد و صقيلية و غيرها من الحواضر العربية التي كانت مراكز إشعاع علمي و حضاري. و كان للمغرب حضوره في هذا الإشعاع، لما كان له من امتداد و تأثير على الأندلس، و لما لعبته فترات الاستقرار السياسي خلال الدول التي تعاقبت على الحكم في ربوعه. فعلى أرضه تواجدت أقدم جامعة في العالم و هي القرويين.
و بسبب ما تتميز به اللغة العربية من مميزات اشتقاقية و إعرابية و معجمية، فقد جعلت كثيرا من المستشرقين يصرحون بأنها أغنى و أمتن لغات العالم مثل :
 Wikhelm Freytag ويهيم فريتاغ  الذي صرح في مقدمة كتابه:  مقالة في نظم الشعر العربي   a treatise on Arabic versification 1830
أن اللغة العربية هي من أغنى اللغات في العالم أجمع.
 و جعلت المستشرق المعاصر جيفري تاجاي  Jeffrey H. Tigay يقول في مستهل دراسته التي نشرها سنة 2007 تحت عنوان:
On the Use of Arabic in Comparative Philological Study
"حول استعمال العربية في دراسة فقه اللغة المقارن."
أن العربية هي من أغنى اللغات السامية.   مع كل هذه الحقائق، و آلاف غيرها والتي اعترف بها حتى الباحثون الأجانب في اللغة العربية، إلا أن كثيرا من العرب  ما يزالون يعانون من عقدة الدونية اللغوية. فهم يعيشون فقراء معدمين دون أن يعوا ما بين أيديهم من كنز لغوي لا حدود لغناه، حالة يمكن وصفها بالغيبوبة الحضارية. و لذلك فاليوم يستعصي الإقلاع الحضاري على معظم الدول العربية التي تبدوا تائهة في تيه الازدواجية اللغوية. و تستوي تقريبا في عدم وضوح رؤيتها للدور الحضاري الذي يجب أن تضطلع به حاضرا و مستقبلا.
إذا نظرنا إلى الدول المتقدمة اليوم، و قرأنا عن سياستها اللغوية، مثل بريطانيا و فرنسا و أمريكا لوجدنا أنها تولي أهمية قصوى للحفاظ على سؤددها اللغوي، و تغليبها على ما دونها من اللغات المنافسة. فهذه الدول تعتبر الوطن هو حمى لغتها الذي لا يجوز لأية لغة أن تنافسها في حياضه، و داخل حرمه، و تلزم المسؤولين بوجوب الحديث بها، فلا يتصور أن يقف أحد المسؤولين في أمريكا، أو بريطانيا، أو فرنسا أمام الشعب ليتحدث بلغة غير اللغة الرسمية للدولة، و إن فعل فلربما يرغم على الاستقالة في اليوم التالي... هكذا تحافظ الدول المتقدمة على لغتها الوطنية بينما في الدول المتخلفة لا يزال بعض المسؤولين فيها يفاجئون الشعب من حين لآخر برطانة ثقيلة على الذوق بتحدثهم مع شعوبهم بلغة أمة غير أمتهم،  لا علاقة تجمعهم بها غير الاستعمار.

بين الفصحى و الدارجة

ربما يصح الجزم أن كل لغة فصيحة، أو معيارية لها دارجتها، أو نسختها العامية، لكن هذه الدارجات تختلف من لغة لأخرى قربا و بعدا عن اللغة المعيارية الراقية. ففي بريطانيا التي تعد من الدول النموذجية في المحافظة على لغتها الرسمية، و نشرها على مستوى دول العالم أجمع، بدون استثناء تقريبا، يكاد ينعدم الفرق بين اللغة الرسمية و ما ينطقه الناس في  حياتهم اليومية و المعيشية. ذلك أن من يستمع إلى أفراد الأسر الإنجليزية التقليدية و هم يتكلمون، يشعر بمدى الرقي اللغوي الذي يتمتعون به،  بحيث لا تكاد تلمس في كلامهم ما يشذ عن المسار العام الذي تسير فيه اللغة الإنجليزية. تعبيرا، و تركيبا، و صرفا، و نحوا. و تقريبا ليس هناك من فرق كبير بين اللغة المكتوبة، و اللغة المتداولة المسموعة. في مقدور المستمع أن يكتب ما يسمعه ليحصل على جمل راقية في بنياتها، و صحيحة في تركيباتها و صرفها و نحوها. و أذكر أنني عندما زرت بريطانيا للدراسة قبل 25 سنة لم أجد صعوبة تذكر في التواصل مع الناس على اختلاف مستوياتهم، بدأ من موظفي مطار هيثروا و انتهاء بالأسواق و الشارع،  بينما لو زار أجنبي تعَلَّم اللغة العربية الفصحى المغرب، أو أي بلد عربي آخر، لصعب عليه التواصل مع الناس العاديين، و لما استطاع التواصل إلا مع المتعلمين منهم. و أذكر أنني كنت أَدرِّس بعض الأمريكيين الفصحى في المغرب، فاشتكى لي أحدهم أنه عندما يذهب للتسوق في سوق الخضر فإنه لا يستطيع التواصل مع الناس بما تعلمه من عربية فصحى ! فقلت له إن الأمر هنا يختلف عما هو عندكم في أمريكا، أو في بريطانيا أو فرنسا، فبيننا و بين لغتنا الرسمية شجون و مسافات تزيدها الأمية بعدا.!
 و عودة إلى النموذج البريطاني فإنه - و بسبب بعض الحزازات  التاريخية في علاقة العرش البريطاني بالتطلعات القومية سواء في إيرلاندا  أو اسكوتلاندا - فقد ظهر هناك تباين في مخارج بعض الحروف، و تميزت اللكنة الإيرلاندية عن السكوتلاندية عن البريطانية الأم مما لا يعد شيئا إذا ما قورن بالدارجات العربية.و مع هذا التجانس اللغوي الغالب في بريطانيا، إلا أن وزارة التعليم ، و وزارة الثقافة تحرصان أشد  الحرص على مراقبة السير العام الذي تسير فيه اللغة الإنجليزية. و ترصد كل طارئ يكدر صفوها، و يخدش جمالها. و لا زلت أذكر – يوم كنت أدْرس في بريطانيا – برنامجا يناقش خطر دخول بعض المفردات و التعابير السوقية إلى الإنجليزية الرسمية، حيث شاهدت برنامجا  تلفزيونيا استضافت  فيه  الBBC ثلة من المتخصصين في علم النفس و البيداغوجيا، و علماء الاجتماع من أجل التفكير في إيجاد حل لهذه المسألة على ضآلتها ! فكان الاقتراح الذي اتُّفق عليه هو السخرية من مستعملي المفردات، و التعبيرات  الدخيلة على الإنجليزية، و الإيغال في التهكم بكل من يجهر بمثل تلك التعبيرات المتمردة على قواعد الانجليزية !!و لذلك فالمتتبع للأفلام التهريجية، و الفكاهية البريطانية يلاحظ أن السخرية تنصب على من لا يتقن الإنجليزية و ليس على من يستعمل اللغة المعيارية، على عكس التوجه المفلس لأفلام الفكاهة التافهة في الدول العربية، والتي اندرج بعضها في سلك السخرية من الفصحى دون أن يدرك بعض الممثلين لبلادتهم، و دنو مستوى تحصينهم الحضاري، أنهم بذلك يروجون بكل عمى لدسائس أعداء أمتهم، و تراثهم و ثقافتهم.
 إن كل الدول المتقدمة تحرص على الحفاظ على لغتها الرسمية، و مكانتها المعيارية، و ترصد  ما يطرأ على اللغة من ابتذال في الاستعمال اليومي في الشارع،  أي الدارجة، و تنظر إليه على أنه خطر يهدد مكانة لغتها، و تتخذ من الإجراءات المباشرة و غير المباشرة ما يكفل  حفظ مكانة اللغة الرسمية، لغة العلم والتدريس و الخطاب الرسمي.. ففي فرنسا مثلا نجد أن هذا التوجس من منافسة اللهجات المحلية للغة الفرنسية ظل قائما  منذ أيام الثورة الفرنسية.
ففي 4 يونيو 1794 قام العالم  و الزعيم الفرنسي  القس غريغوار بتقديم تقرير علمي و عملي ينطق عنوانه بالهدف منه حيث أسماه:) تقرير عن ضرورة و وسائل القضاء المبرم على اللهجات، و تعميم استعمال اللغة الفرنسية(.
[2] "  Rapport sur la Nécessité et les Moyens d'anéantir les Patois et d'universaliser l'Usage de la Langue française 
وفي التقرير يقول الراهب الفرنسي غريغوار : (( إن مبدأ المساواة الذي أقرته الثورة يقضي بفتح أبواب التوظف أمام جميع المواطنين، غير أن تسليم زمام الإدارة إلى أشخاص لا يحسنون اللغة القومية يؤدي إلى مخاطر عظيمة، وإن حظر على مثل هؤلاء  ميادين الحكم والإدارة فإن ذلك سيقوض مبدأ المساواة، فيترتب على الثورة - والحالة هذه - أن تعالج هذه المشكلة معالجة جدية؛ وذلك بالقضاء على اللهجات المحلية، ونشر اللغة الفرنسية الفصيحة بين جميع المواطنين " من كتاب : The  life and works of Abbé Grégoire (Nancy, 1884)
"حياة و أعمال الراهب غريغوار"
أنظر أيضا كتاب:
Goldstein Sepinwall, Alyssa. ( The Abbé Grégoire and the French Revolution: The Making of Modern Universalism) Berkeley: University of California Press, 2005.
الراهب غريغوار و الثورة الفرنسية: صناعة الشمولية الحديثة. 
و منذ ذلك الوقت و هذه السياسة متبعة في فرنسا. و لذلك كان لفرنسا شأن في العالم بعد ذلك. و انتشرت لغتها في مناطق واسعة في إفريقيا.
ما هي الدارجة؟
البعض يعرفها ببساطة بأنها لغة الشارع، و البعض يعرفها باللغة الأم، و البعض يطلق عليها العامية و السوقية، و كل هذه التعريفات ليست دقيقة في نظري المتواضع، فالذي يطلق عليها لغة الشارع، يغفل عن حقيقة مهمة هي أن من الدول من تتكلم شوارعها نفس كلام مدارسها و جامعاتها، و قد عايشت هذا الأمر في بريطانيا كما أشرت، و الذين عرَّفوها باللغة الأم غفلوا عن حقيقة أن اللغة الأم  هي الأصل الذي تمردت عليه الدارجة. فالدارجة بهذا المعنى هي البنت العاقة الخارجة عن قواعد لغة الأم التي كانت تحتضنها في حرمها قبل أن تتنكب لها، و الذين قالوا بأنها سوقية فهم قد وصفوا جانبا من الدارجة و ليس كل الدارجة، ذلك أنه للإنصاف يجب التسليم بأنه ليست كل دارجة سوقية، و لا كلها مبتذلة و إن كانت هذه الصفات الهابطة هي أكثر ما يميزها. فالدارجة كائن يتجاذبه فريقان فريق المثقفين و المهذبين يجذبونها نحو سمو مكانتها و يقتربون بها إلى اللغة المعيارية الراقية، و فريق آخر غير ليس له حظ في الثقافة أو أن ثقافته فرنكفونية فهؤلاء يجذبون الدارجة إلى مزيد من التسفل، إما بما يقحمونه فيها من رطانات فرنكفونية معرنسة)خليط من المفردات العربية و الفرنسية(  و إما بالتعبيرات السوقية الممتهنة التي يكثر تداولها بين أوساط  الشباب  الزهيد الحظ في التعلم، و يزيد الدارجة بؤسا ما ابتلي به كثير من الشباب العاطل من "فن" موسيقى ما يسمى ب"الراب"  و الذي يقبل في أوساطه كل متسكع.بحييث لا يشترط في المنخرطين فيه لا معرفتهم بالموسيقى و المقامات ولا الأصوات الحسنة و لا الكلمات المهذبة أو التعبيرات الراقية. و إن كان هذا الضرب من "الفن" عرف بعض المحاولات الوئيدة للرقي به من الحضيض و البؤس المعرفي و الفني الذي ولد في دثاره.
فالدارجة هي في تقديري النسخة البدائية العاجزة عن مسايرة الإيقاعات الدقيقة للفصحى. فهي لغة باهتة  قد تدرجت نزولا من مكانتها الراقية إلى مستويات هابطة تعبيرا و صرفا و نحوا.
و الملاحظ عالميا أنه كلما تقدم شعب من الشعوب، أو أمة من الأمم، كلما ارتقت لغتها و اقتربت من لغتها المعيارية أو الفصحى. فاللغة تتبع المستوى الثقافي الذي عليه الناس، فكلما كثرت أعداد المثقفين، و المتعلمين،  إلا و زاد مستوى اللغة تألقا، و قربا و اندماجا مع اللغة المعيارية، و لغة العلم و الثقافة. فالعلاقة بين الدارجة و المستويات الثقافية الهابطة علاقة شبه حتمية، كما أن العلاقة بين اللغة المعيارية أو الفصحى و بين المعدلات العليا للثقافة و العلم في أي مجتمع، هي علاقة وطيدة أيضا. و تفسير هذه الظاهرة الطبيعية يفهم في إطار الروافد المعرفية و المعلوماتية المتباينة بين طبقة المثقفين و طبقة الأميين أو أشباه الأميين، فالطبقة العلمية، و الثقافية تعكس على ألسنتها الثقافة التي تتلقاها من خلال طول مكثها ضمن أجواء الكتب، و المقالات، و المحاضرات، و النقاشات و غيرها من وسائل التلقي العلمية.  فهي قد ارتقت بذوقها اللغوي إلى مستوى المجال العلمي الذي تدور في فلكه، بينما في المقابل فإن طبقة الأميين، و أنصاف المتعلمين يعكسون مستوى لغوي من الوسط الذي يكثر وجودهم بين أفراده. مع وجود حيز للإستثناء طبعا، فكم من أمي أرشد عقلا و أهدى سبيلا من متعلم ليس له من العلم سوى العنوان، المكتوب على واجهة الصوان ! فجاءت لغتهم المتدنية لتعكس التدني العلمي و الثقافي للوسط  التي يكثر وجودهم بينه، و يعبون من معينه.
و من هنا نعلم أن الدعوة المنبتَّة والغريبة والتي أطلت برأسها في المغرب هذه الأيام، و التي اقترحها أشخاص لا علاقة لهم بعلوم اللغة و لا بالفلولوجيا، ولا لهم حظ من فقه العربية، إلى اعتماد الدارجة كمادة تدرس للأطفال في التعليم الأولي و النصف ابتدائي هي دعوة للنكوص في الاتجاه المعاكس لتقدم الأمم، فهذه الدعوة تروم إلى النزول بمستوى اللغة من مستواها الراقي، و العلمي إلى المستوى الزنقاوي المتدني، و هذا سيترتب عليه مفاسد كثيرة أجملها في النقط ا لتالية:
1 - تشتيت شمل الوحدة اللغوية  المغربية  بحيث يصبح كل إقليم أو مدينة أو جهة لها مفرداتها الخاصة و دارجتها الخاصة، إذ المعلوم أن الدارجة المغربية ليست على مستوى واحد، فبعض المناطق لا تكاد تفهم شيئا من دارجة بعض المناطق الأخرى. فأهل الشمال دارجتهم تختلف كثيرا عن دارجة أهل الجنوب، و المناطق الريفية تختلف عن المناطق الحضرية.. و لذلك فإن هذا المقترح يهدد بشرذمة الشعب المغربي، و دق أسافين الفرقة و العنصرية بين مناطقه.
2 – التردي اللغوي ... و ذلك بالهبوط من مستوى العربية الفصحى التي تزخر غنى و تملك رصيدا علميا، و معجميا،و اشتقاقيا، و بلاغيا، و حضاريا لا تضاهيها فيه لغات أخرى نعرفها. فالدارجة مهما اجتهدنا في اختلاق قواعد لها، و تكييفها حسب أذواقنا فإنها لا تصل، و لن تصل إلى معشار ما للعربية من مكانة تعبيرية رفيعة.ففيم هذا التردي المجاني؟
3- التقوقع والانعزال. إذا كانت اللغة هي وسيلة للتواصل فإن من أهم مميزاتها هي مدى انتشارها و مدى اتساع محيط مجالها، و كثرة الناطقين بها، فلا قيمة للغة مهجورة  و معزولة بين شعاب الجبال لا يتجاوز محيط تواصلها محيط الإقليم أو المدينة أ الجهة  في قطر من الأقطار، و الدارجة المغربية هي عبارة عن جزر صغيرة، محدودة و منعزلة لا قدرة لها على التواصل حتى في محيطها الإقليمي الضيق، فكيف بالتواصل مع المحيط العربي الكبير؟ الممتد جغرافيا من  المحيط إلى الخليج. و الممتد في التاريخ و الحضارة على مدى الفي سنة.
4 – الإضرار بالهوية العربية الإسلامية للمغاربة..فهوية المغرب هوية عربية إسلامية، دون إغفال الرافد الأمازيغي، و اللغة العربية هي الرابط المشترك بين مكونات الشعب المغربي، و حرمان الناشئة من هذه اللغة هو حرمانها من امتلاك الأدوات الأولى للتواصل مع محيط  جغرافي و معرفي كبيرين تهبه العربية لمتعلمها،و المعتز بها، و تفتح أفاقه المعرفية على ملايين الكتب تضم تراثا علميا و أدبيا من أغنى الكنوز المعرفية في العالم. كما أن تطبيق هذا المقترح المشبوه سيترتب عليه مزيد من انحسار مساحة العربية في المغرب في ضوء ما يرافق هذا المقترح من ردة أخرى و هي تدريس العلوم بالفرنسية !،و سيترتب عليه ضعف أكبر في القدرة على فهم القرآن و الحديث مما يؤدي مباشرة إلى تسرب مزيد من الضعف إلى الهوية.

و هكذا، و من خلال هذه الجولة القصيرة حول موضوع اللغة المعيارية و الدارجة و موقف الدول المتقدمة و الدول التابعة من كل منهما، يتجلى لنا إغراض هذا المخطط المشبوه، و تتجلى لنا مخاطر تطبيقه على الوحدة الوطنية و الهوية.



·         [1] Addresses to the German Nation (1808), ed. and trans. Gregory Moore. Cambridge University Press, 2008.
·         و كذلك كتابه: نطق الإنسان The vocation of man

[2] (Report on the necessity and means to annihilate the patois and to universalise the use of the French language) Goldstein Sepinwall, Alyssa. ( The Abbé Grégoire and the French Revolution: The Making of Modern Universalism) 

0 التعليقات:

إرسال تعليق