السبت، 22 فبراير، 2014

نظرية التطور و تحدي أسرار العلوم 1/ مناقشة دعوى الصدفة


قبل أسابيع نشرت بهذا الموقع المحترم مقالا مطولا عن نظرية داروين يحمل عنوان: ما ذا بقي من نظرية داروين. ركزت فيه على الخطوط العامة التي وضعها تشالز داروين في كتابه: أصل الأنواع، و التناقضات التي اكتشفها كبار علماء الإحياء، و أن شجرة التطور التي رسمها داروين لا تستقيم علميا. و كان لذلك المقال أثره في إثارة نقاشات عديدة بين مؤيد و معترض. و اليوم أعود لمناقشة نظرية التطور في مستوى أعمق، مستوى لم يكن تشارليز داروين، و لا كل  من أيده و دافع عن نظريته في المائة و العشرين سنة التي تلت تأليفه لكتابه أصل الأنواع، لم يكن لهم  أي علم او تصور به، ألا و هو عالم الأجنة و ما يجري داخل نواة الخلية من نشاطات يقوم بها نظام الحامض النووي
DNA , و هو عالم ظل في عهدة الغيب طيلة رحلة البشرية عبر الأحقاب و فتحت أول نافذة حقيقية على عالمه العجيب سنة 1953 على يد عالمين  عالم الإحياء الأمريكي جامس واطسون  و الفيزيائي الإنجليزي فرانسيس كريك، بعد توطئة و مساهمة  من سبقه مثل الكيميائي السويسري  فريدريخ ميستشير و  فييوبس لوبان و إدوين تشارجاف، حيث اكتشفا أن الحامض النوويDNA  يوجد على شكل مجسم جزيئي حلزوني مزدوج ثلاثي الأبعاد.
فعالم الحامض النووي
 هو العالم الذي يحتوي على أسرار الخلق، فما من حركة و لا وظيفة فيسيلوجية، و لا صفة خَلقية، و لا ميزة وظيفية إلا و تنطلق أوامرها المكتوبة من صلب هذا النظام المتناهي الصغر، و المكنون داخل نواة كل خلية من الخلايا.
و ليكن حديثنا عن الإنسان بشكل رئيسي، ودعني أحدد بعض الأبعاد لتسهل على القارئ معرفة  الحيز الذي نتكلم فيه، و معرفة مجال هذا العالم الذي سنسبح في آفاقه.
الخلية و أبعادها:  من تعريفات الخلية أنها وحدة بناء الكائن الحي. فمن الخلايا تتكون الأنسجة، و من الأنسجة تتكون العضلات، و من العضلات تتكون الأجهزة و مجموع  الأجهزة تُكون الجسم البشري. فالخلية إذن هي الوحدة الرئيسية في هذا البناء. فما هي أبعاد الخلية؟ و ما هي بعض وظائفها؟ و ما عددها في الإنسان؟
معدل عدد الخلايا في الإنسان البالغ هو 100 تريليون خلية أو  13 10  ( رقم 1 وراءه 14 صفرا) أما معدل حجمها فهو يختلف باختلاف أنواع الخلايا، فهناك 200 نوع من الخلايا في جسم الإنسان. تختلف أحجامها بعدد أنواعها. و من أصغر الخلايا هي الخلايا
المكونة للمادة الرمادية في المخ. حيث إن الخلايا المكونة للطبقة الحبيبية  Granular layer  في المخ، و طبقة الهيمبوكامبوس  hippocampus الواقعة في أعمق تجويف الدماغ و المسؤولة عن تفسير الروائح. و طبقة ما يسمى ب البصلة الشمعية Olfactory bulb   حيث يتصل عصب  ما يسمى بعصب القحيفة :Cranial nerve  كما توجد في الجزء الأسفل للدماغ المسمى:  مخيخCereberllum    . فهذا النوع  من الخلايا المكون لهذه الأجزاء الحساسة في المخ يتراوح حجمه ما بين 4 و 4.5 ميكرومتر أو 4 x 10-6  .  ومن الخلايا الصغيرة الحجم خلايا الدم الحمراء، أو ما يصطلح عليه بكريات الدم الحمراء : red blood cell   فحجمها  يتراوح ما بين 7 و 8 ميكرومتر أو 8 x 6- 10 . و تسميتها بالخلايا فيه نظر، لأنها لا تحتوي على نواة، و بالتالي فإنها لا تقوم بعُشر ما تقوم به الخلايا من نشاطات معقدة، و مع ذلك فهي تقوم بدور أساسي و غاية في الدقة في عملية التبادل الغازي تصريف غاز الأكسجين في أنحاء الجسم المختلفة.

ما ذا يجري داخل الخلية؟

رغم أن الخلية متناهية في الصغر، وأغلبيتها يستحيل أن تُرى بالعين المجردة، إلا أن العلم استطاع أن يسبر أغوارها، و يكتشف مكوناتها العديدة و المختلفة. و لتبسيط الأمر يمكن تشبيه عالم الخلية بعالم مدينة من المدن، ففيها وسائل النقل العديدة التي تنقل الحاجيات إليها و منها أيضا إلى مختلف المناطق داخل الجسم،tRNA و فيها مكاتب لنسخ كل الطلبات المتعلقة بالحاجيات الضرورية و الطارئة: mRNA . و فيها مصانع متعددة تقوم باستلام الطلبات المكتوبة و الموصوفة بدقة، و ترجمتها إلى أعمال منجزة في مواعد مضبوطة بصناعة مختلف متطلبات الخلية و متطلبات الجسم بصفة عامة، المقصود هنا هي مصانع ribosomes .و فيها محطات الطاقة العديدة، و فيها محطات المراقبة التي تقوم بالمراقبة الدقيقة لكل ما يدخل إلى الخلية و تفحص أوراقه الثبوتية و تقوم بعد ذلك بالتوجيه و تصنيف الواردات على الخلية  قبل توجيهها  وجهات مختلفة :Sorting plants .و فيها مركز القيادة المحتوي على المعلومات كلها ما تعلق منها بالماضي البعيد المستغرق لآلاف السنين في السلالات البشرية، أو ما يتعلق بالحاضر و احتياجاته، و المستقبل و خططه، تغذية و جمالا، و دفاعا، و علاجا، و إنتاجا، و تضحية و نموا. و صفات داخلية و خارجية و.. و...الخ. وكل ذلك ينطلق من بنك المعلومات داخل مركز القيادة في الخلية و هو النواة التي هي بطبيعة الحال أصغر بكثير من الخلية.
داخل هذا العالم المتناهي في الصغر توجد 46 خلية وراثية، و يوجد حوالي 25 ألف  جين مختلف يستعمله نظام ح ن أو
DNA كحروف في لغته الجينية. و لكم أن تتصوروا مدى اتساع هذه اللغة و اتساع مجالها في عالم الخلق، فإذا كنا نستطيع أن نؤلف ملايين، و بلايين الكتب في مختلف جوانب المعرفة اعتمادا على 28 حرفا من حروف الهجائية العربية أو أقل من ذلك بالهجائية الفرانكفونية أو السكسونية الإنجليزية، فكم من تريليونات أو كوانتيونات الكتب يمكن أن تتألف من حوالي 25 ألفا من الحروف الجينية المختلفة؟

أرقام و أسرار مذهلة:

إن جزيئ الحامض النووي الموجود داخل نواة كل خلية هو عبارة عن خيطين رفيعين مكونين من جزيئات السكر و الفوسفات ملتفين حلزونيا، و تربطهما قواعد نيترجونية أربعة أدنين ، ثايمين ، سيتوزين و جوانين. يرمز إليها بالحروف : ATCG هذا النظام على صغره المتناهي يقوم بالأدوار الأساسية في كل عملية فيسيلوجية تحدث في جسم الإنسان. يكاد لكثرتها لا يحيط بعدها العقل البشري. ففي جسم الإنسان – كما مر بنا – ما يزيد على 100 تريليون خلية  و كل خلية تقوم بسلسلة مستمرة من الأنشطة المختلفة في الآن معا، فإذا ما أردنا أن نعرف العدد الكلي للأنشطة التي تقوم بها الخلايا كل ساعة من ليل أو نهار، لوصلنا إلى أرقام مذهلة تفوق الخيال. و في كتاب للعالم البيلوجي الأمريكي كارل بوبير Karl Popper  و اسمه On the Origin of Genetic Code  : عن أصل الشفرة الجينية، ذكر أن الخلايا تستطيع أن تخزن فيما حجمه 23 (2 ميلمتر مكعب) قدرا من المعلومات ما لو كتبناه في مجلدات، ثم راكمنا المجلدات فوق بعضها البعض لبلغ ارتفاعها المسافة التي تفصل الأرض عن الشمس، أي حوالي 150 مليون كيلومتر !!! و لو ضغطنا تلك المعلومات في أقراص مدمجة وراكمناها  فوق بعضها لوصلت مسافة ارتفاعها 1700 كيلومتر. و في مراجع علمية أخرى خاصة بعلم الأعصاب و الدماغ Neurology  تذكر أن سعة تخزين المعلومات في الخلية العصبية الواحدة يفوق 5 مرات سعة الموسوعة البريطانية البالغ عدد مجلداتها الكبار 32 مجلدا ضخما، فإذا ما عرفنا أن معدل عدد الخلايا العصبية هو 100 بليون خلية، تصورنا الرقم الفلكي المخيف للمعلومات التي يمكن لخلايا الدماغ أن تخزنها. و بلغة التخزين الإلكتروني  فإن قدرة الدماغ على تخزين المعلومات قد تصل إلى 1000 تيرابايت Terabytes TB  ، و TB تساوي 10004 أي مليار كيلوبايت. و لأخذ فكرة عن معنى هذا الكلام فإن 900 سنة من أرشيف الإمبراطورية البريطانية يمكن احتواؤه في 70 تيرابايت فقط.
بعد هذه النظرة الخاطفة على عالم الخلية، و مركزها، و مهامها، لنشتبك الآن مع المفاهيم و الرؤى التي يروجها التطوريون، و أنصار نظرية داروين على العموم.

إختيار يجلب المشاكل للنظرية

لا يزال أنصار داروين أسرى لفكرته التأملية، و ليست العلمية، التي تفترض إفتراضا غير مثبت علميا حتى بالطرق التي يسلم بها التطوريون أنفسهم في مجالات أخرى،و يخالفونها هنا، أن أصل كل الكائنات يعود إلى شيء واحد، توجد ضبابية في تحديده، لكن هناك لغَط حول كائن بكتيري، أو حيواني ذي خلية واحدة. قد يكون خلية الأميبا أو أي بكتيريا أو شكل من أشكال الخلايا. لكن الملاحظ أن هذا الاختيار هو أسوأ اختيار يقعون عليه، و يمثل مصيدة لكثير من أنصار نظرية داروين. لأنه  يصدم نظرية التطور و فلسفتها في الصميم، كما سنرى، زيادة على أنه ليس مثبتا علميا حتى بنسبة 1 على البليون. بل هذا الكلام هو مجرد خيال علمي يعكس نفسية التسليم. و الدوغمائية التي أمسى التطوريون يركنون إليها دونما أي إثبات مطمئن دفاعا عن نظريتهم. و حتى لو سلمنا به جدلا فإنه لا ينسجم مع الفكرة العامة التي صمم خيالها تشاليز داروين في كتابه : حول أصل الأنواع  On the Origin of Species  . لأن فكرته الأساسية و التي تعتبر العمود الفقري لنظريته هو أن الكائنات تتطور من الأدنى إلى الأعلى ، و الذي يقصده هو الأعلى في شجرة التطور، التي أسماها : شجرة الحياة   The Life Tree بمعنى آخر : كلما اتجهنا في سلالة الكائنات الحية من الأعلى أو الأقرب زمنيا إلى الأدنى أو الأبعد زمنا كلما انتقلنا بالتوازي مع هذا الخط الزمني المفترض، من الأكثر تعقيدا إلى الأقل تعقيدا، و من الأكثر تطورا إلى الأقل تطورا، و من الأكثر إتقانا إلى الأقل إتقانا. لكن علم الإحياء الحديث يكشف لنا أن الخلية التي يريد التطوريون أن يجعلوها الأساس الأولي و البدائي لانطلاق نظرية التطور هي الأكثر تعقيدا، و الأعجب تنظيما، و الأعجز إتقانا، و لا يمكن أن نتصور خلية بدائية لأنها إن تكن بدائية فلن يتطور عنها أي شيء، لأنها لن تنقسم أصلا فعملية انقسام الخلية تتطلب تعقيدات كبيرة، و دقة في إنجاز عمليات كيميائية مجهرية تمثل نهاية في الصرامة،لا يمكن تصور أي انقسام و نمو للخلايا بدون إنجاز تلك العمليات من تماثلات ضوئية، و عمليات نسخ للشفرة الوراثية في الحامض النووي، ثم إعادة فك تلك الشفرة خلال رحلات مختلفة الطول  تجتاز فيها تلك المعلومات المشفرة ملايين الحواجز لتصل إلى أهدافها في عالم الكائنات الحية دون أن تخطئ طريقها. و يقوم بالنسخ  نظير آخر من الحامض النووي هو RNA ، و تكليف شبيه آخر هو: mRNA بتوفير نسخ مماثلة لما سوف يسلم لنوع آخر من الحامض النووي، هو  tRNAأي رسولة الحامض النووي أو الحامض النووي الناقل للطلبات عبر عمليات و ظروف غاية في التعقيد من داخل حصن النواة المدرع، و الذي لا يغادره من يغادره إلا بشفرات خاصة، كما لا يدخله إلا من يمتلك مفاتح جينية رقمية  في منتهى التعقيد ، كل ذلك لتتمكن من الخروج من هذا الحصن الاستراتيجي و الذي يدعى ب nucleus envelope، و السفر  عبر محيط الخلية سابحة في أرجاء السايتبلازم لتصل إلى مصانع البروتينات و نسخ الجينات المطلوبة في مصانع الريبوزوم ribosome في الخلية و . و كل بروتين يتطلب صنعه عشرات أو المآت، و ربما أحيانا الآلاف من الأحماض الأمينية بترتيب دقيق و محدد، بحيث لو استبدل أحدها بآخر،  أو حل في موقع غير موقعه لفسدت العملية أو تعذرت تماما. كما أن الإنزيمات ضرورية في كل عملية كيميائية تجري داخل الخلايا، فلا يمكن للخلية أن تسمح ل RNA  بنسخ أي جزء من الفسيفساء الكيميائية المعقدة التي تميز كل حيز من خيطي الحامض النووي DNA  ما لم يتدخل إنزيم يُسَرع العملية بلايين المرات ! هو في هذه الحالة إنزيم الهيليكايس Helicase  و الذي لولاه لما نجحت أية عملية تفاعل كيميائي في الخلية. و لا يمكن أن تنشق خيوط الحامض النووي و تظل مفتوحة على النواسخ للسماح بنقل شفرتها، ما لم يتعاون إنزيم بروتيني آخر يرمز له علميا ب SSBP  و هو اختصار  ل  single strand biding protien  و هو بروتين معهود به المحافظة على الإبقاء على خطي الحامض النووي مفتوحين  لنجاح عملية النسخ الفريدة. و التي تتم بشكلين مختلفين في كل جهة في . DNA  ففي جهة اليمين يتم تعويض سلسلة القواعد النيتروجينية  بشكل انسيابي متصل في اتجه 5 نحو  3’  بينما في جهة جزيئ الحامض النووي المقابلة بطريقة متقطعة غاية في الغرابة بحيث يتم  ملء كل فراغ نشأ عن انشطار خطي الحامض النووي أي النيكلوتايد : nucleotide بطريقة تشبه إعادة إلتآم الشظايا، و تركيبها شطية بعد أخرى ! و هذا السر العجيب يدعى عليما بشظايا أوكازاكي، Okazaki fragments  نسبة لعالم الجينات الياباني العبقري: Reiji Okazaki الذي اكتشفها و الذي مات سنة 1975 عن عمر 45 سنة.  و السؤال هو:
كيف اهتدت هذه الأجزاء المادية الغير عاقلة، و المتناهية في الصغر بحيث تدور في العالم الذري، إلى القيام بكل هذه الوظائف الأساسية، و الضرورية لاستمرار الحياة؟ و كيف يمكن التسليم بكل هذه التعقيدات مع أنها تضرب في صميم الفكرة الأساسية للتطور من الأدنى إلى الأعلى؟ و من الأقل تعقيدا إلى الأكثر تعقيدا؟
المعلومة هي الأساس
إن المتأمل في عالم الخلية، و آلاف العمليات  العجيبة التي تنجزها، يدرك أن هذه الدقة المتناهية، و هذا النظام المعجز لا يمكن أن تهتدي إليه الخلية دون أن يكون هنالك علم سابق، و تعليمات صارمة، أو معلومات سابقة بموجبها تقوم الخلية بما تقوم به . فهب أن مهندسا اشترى جهاز حاسوب لاستعماله في أشغاله، و خططه و حساباته الهندسية فإن أول ما يجب على هذا المهندس أن يقوم به كي يستفيد من هذا الحاسوب هو إمداد هذا الجهاز الجديد بعدد من البرامج العلمية و الرياضية ذات الصلة، و تهيئة قاعدة البيانات DATA Base  بعدد من البرامج و الأنظمة، أو بمعنى آخر تطعيمه بالمعلومات الأساسية ليشتغل النظام. و هذه المعلومات لا بد أن توضع من طرف من يعرف كيفية اشتغال الحواسيب و لأي حاجة و هدف. فهي في الأصل قد وضعت من طرف صانع هذه الحواسيب و مبدعها أول مرة.
 و الخلية تقوم بنشاطات أكثر دقة مما يقوم  به الحاسوب. و ما لا يتعدى حجمه في الخلية حجم عُشر زِر حرف واحد في الحاسوب، يقوم بعمليات تزيد عن عمليات الحاسوب آلاف الأضعاف، أو حتى ملايين الأضعاف. فقد اتضح لعلماء الجينات ان الحامض النووي يستعمل رموزا مشفرة مثل أنظمة الحاسوب المختلفة، فإذا كان نظام الحواسيب يعمل بواسطة المعادلات الحسابية القائمة على 0 و 1  بما يماثل مفهومي (+) و (- ) و أن مرتكز علوم المعلوميات الحديثة قائم على التقنيات الرقمية، و أن كل عملية و معلومة تترجم إلى شَفرات رياضية من 0 و 1، فربما كانت 0001 أو كانت 0010 إلخ.  فإن نظام الحامض النووي  يشتغل بأنظمة اكثر اتساعا و أدق تفصيلا، رمز علماء الجينات  إلى ما توصل العلم إليه حتى الآن ب:
A T C G . فربما كان رمز الرسالة هو: ATTCG  أو كان:AATCCGG   أو غيره. و لا يقتصر هذا النظام على هذه الحروف الأربعة التي هي عبارة عن قواعد نيتروجينية، بل إن ما يصنعه على أساسها من بروتينات مكونة من عشرات، بل المآت و ربما الآلاف من الأحماض الأمينية لكل بروتين فعال، هي بحد ذاتها عبارة عن رسائل مشفرة، و لغة أخرى تتواصل بها الخلايا، و إذا علمنا أن عدد الجينات في هذا النظام هو على القل 25 ألف جين، أدركنا المدى الهائل و الامتناهي للغة الحامض النووي التي لو جمعت لغات البشر كلهم لما شكلت 1 في المائة من اتساعها و تنوعها، و دقة تحديدها.
و تجدر الإشارة إلى أن العالم الإنجليزي الذي حقق أول فتح علمي حقيقي على عالم الشفرة الوراثية للحامض النووي، الدكتور فرانسيس كريك Francis Crick  سبق أن عمل في مجال فك شفرات الجيش الألماني و شفرات المخابرات الألمانية إبان الحرب العالمية الثانية ! و لذلك فقد ساعدته تجربته في فك الرموز، و وضع الاحتمالات في ذلك الفتح العلمي الهائل، خصوصا ما تلا اكتشافه للحامض النووي سنة 1953 من اكتشاف نظرية الأنساق البروتينية، Protein Sequence Hypothesis  و التي اعتمد فيها كريك بشكل كبير على قدرته التأملية فصَدق كثير من توقعاته، و حساباته فيما بعد.  فكيف تقوم الخلايا بكل ذلك دون أن تكون هنالك معلومات تتصرف طبقا لها. هنا يقف أنصار نظرية التطور عاجزين عن الجواب المقنع. بعضهم حاول أن يختصر كل ذلك العالم الطافح بالعجائب، و بركام معرفي معلوماتي هائل، بطريقة تمويهية و تضليلية، حيث زعم أن كل ذلك عائد إلى " أنانية" الجينات. !! فكتب كتابا أسماه: الجين الأناني The Selfish Gene  و المقصود بالطبع هو زعيم الإلحاد و مريد نظرية التطور في العالم: ريتشارد داوكينز Richard Dawkins .
ثم إن أنصار الداروينية الحديثة
new Darwinism  إذ ينتهون إلى الخلية كأصل لبدء الحياة، لا يستطيعون أن اقتفاء مراحل التطور في الخلية نفسها، ذلك أن معضلة فكرية تقف في مواجهتهم، و تذكرهم بعجزهم عن فهم أسرار الخلق من داخل أبعاد الأقانيم المادية المحدودة، و بمعزل عن الأبعاد الأخرى المنزهة عن المادة. وهذه المعضلة الفكرية أشبه بمعضلة من جاء أولا البيضة أم الدجاجة؟
و في الخلية ما دام الأمر يتعلق عندهم بمنظور أحادي هو التطور نسأل السؤال التالي:
أيهما أسبق للوجود؟ الشفرة الوراثية
RNA أو الحامض النووي DNA ما دام أن الشفرة الوراثية بحاجة إلى الحامض النووي لتشكيلها، و الحامض النووي بدوره يحتاج إلى الشفرة الوراثية لتنسخ تكوين وجوده، فكلاهما لا يتصور وجوده قبل الآخر. و لنستمع إلى ما قاله فيلسوف العلوم المبرز سير كارل بوبرkarl Popper  في كتابه:
Scientific Reduction and the Essential Incompleteness of All Science. 
What makes the origin of life and of the genetic code a disturbing riddle is this: the genetic code is without any biological function unless it is translated; that is, unless it leads to the synthesis of the proteins whose structure is laid down by the code. But … the machinery by which the cell (at least the non-primitive cell, which is the only one we know) translates the code consists of at least fifty macromolecular components which are themselves coded in the DNA. Thus the code can not be translated except by using certain products of its translation. This constitutes a baffling circle; a really vicious circle, it seems, for any attempt to form a model or theory of the genesis of the genetic code.
Thus we may be faced with the possibility that the origin of life (like the origin of physics) becomes an impenetrable barrier to science, and a residue to all attempts to reduce biology to chemistry and physics. page 270
"ما يجعل أصل الحياة و أصل الشفرة الوراثية لغزا مزعجا هو ما يلي:
إن الشفرة الوراثية  تبقى بدون أية فعالية بيلوجية ما لم يتم ترجمتها، و هذا يعني، ما لم تؤدي إلى تخليق البروتينات التي هياكلها قد وضعتها الشفرة الجينية. و لكن الآلية التي تترجم بها الخلية الشفرة الوراثية مكونة مما لا يقل عن 50 من المكونات الجزيئية الدقيقة التي هي بدورها مشفرة في الحامض النووي 
! و عليه فإن الشفرة لا يمكن فك رمزها إلا باستعمال مواد معينة لترجمتها ! و هذا يخلق دوامة الحيرة ، دائرة مفرغة أمام أية محاولة لصنع أنموذج او تشكيل نظرية عن أصل الشفرة الجينية.
و عليه  فربما نحن نواجَه باحتمال أن تكون مسألة بداية الحياة ( مثل بداية الفيزياء) هي حاجز غير قابل للإختراق من طرف العلم ( المادي). و عائقا أمام كل المحاولات التي تهدف إلى اختصار علم الإحياء في  الكيمياء و الفيزياء."
 ص 270

سقوط متكإ الصدفة

كثيرا ما كان أصحاب نظرية التطور في الغرب – و غالبيتهم الساحقة ملحدون- يعلقون عجزهم عن الجواب على سؤال  أصل الحياة بالاختباء وراء وهم الصدفة ! لكن الصدفة التي جعلوها مفهوما هلاميا في خيالهم، و يحاولون إخفاء عوارها في عقول مستمعيهم بخدعة الإحالة المجانية على عبارات: ملايين، و بلايين  السنين هي في الواقع مسألة من مسائل الرياضيات التي تحسم فيها بالأرقام.
و لكي نغوص في الموضوع أكثر أقول أنه بالنسبة للخلية الحية فلا يمكن أن نتصور أي نشاط فيها بدون صناعة البروتينات، و البروتينات لا يمكن لها أن تنبني بمعزل عن الأحماض الأمينية فهي التي تشكل جدرانها الجزيئية أو الذرية.
 و الأحماض الأمينية تبقى خاملة غير ذات جدوى ما لم تنتظم في أنساق فعالة Functional sequences  ، فبعض أنواع البوتينات تكتفي بعدد قليل –عشرات- من الأحماض الأمينية  بينما أخرى تضم إلى تركيبها الآلاف و الأحماض الأمينية وهي- أي الأحماض الأمينية - عبارة عن جزيئات ذرية تشكل ذرة الكربون قطب رحاها أو أساس تركيبها. فما هي إذن فرصة تشكل البروتين عن طريق الصدفة؟
هناك علماء كُثر قاموا بدراسات علمية متينة خلصوا إلى تهافت ذريعة الصدفة في أصل الحياة. سأذكر منهم الدكتور دوج آكس Doug Axe  الحاصل على الدكتورة من جامعة كاليفورنيا، و هو عالم الجينات الجزيئي، ويعمل مدرسا في جامعة كامبريدج، فقد قام ببحث استقرائي معمق، و مثير حول حساب احتمالات الصدفة في خلق بروتين واحد فوجد حقائق مذهلة تفند بشكل قطعي هذا الزعم،و تحيله على التقاعد المبكر في ضوء تقدم علم الجينات.
و ملخص ما انتهى إليه هذا العالم الجيني هو أنه من أجل أن تقوم أية خلية بنشاطاتها الضرورية، و العديدة لا بد لنظامها الداخلي المنطلق من نواتها المحتوية على الحامض النووي من صناعة مختلف أنواع البروتينات لتلبية الطلبات الضرورية لاستمرارها في الحياة، فأقل عدد ممكن من البروتينات التي يجب توفرها في أي نوع من الخلايا هو 20 بروتين، فالبروتينات تشكل نصف مجال و وزن أية خلية تقريبا، دون احتساب ما يغادرها لأماكن أخرى في الجسم.و كما سبق ذكره فإن البروتين لا يمكن أن يتشكل بدون عدد يقل ويكثر من الأحماض الأمينية التي سبق وصفها، و السؤال هو هل يمكن للخلية أن تركب بروتيناتها المختلفة من كل ما توافر من هذه الأحماض كيف ما كان نوعها؟ و الجواب على ذلك أن الأحماض الأمينية لا بد أن تنتظم في أنساق كيميائية فعالة، و إذا ما درسنا احتمال تشكل نسق واحد فعال جينيا عن طريق  "الصدفة" في كون يعج بالأحماض الأمينية المنفردة فيما يشبه الحساء الكيميائي 
! و كان البعد الزمني الذي حددناه لحصول ذلك يمتد لمليار سنة، و كان البروتين الذي ندرسه هو من ذوات ال150 حامضا أمينيا، و هذا الرقم من الأحماض الأمينية ليس بالكثير على البروتين إذا ما علمنا أن من البروتينات ما يحتاج إلى آلاف من هذه الأحماض  ليبني جدرانه الجزئية، و ينجز مهامه بنجاح. فإن بحث الدكتور دوج آكس إنتهى إلى رقم مخيف هو : أي  فرصة واحدة من بين رقم خرافي هو واحد وراءه 75 صفرا !! و ليس هذا فحسب، بل هناك عوائق أخرى و هي أن جزيئات الحامض النووي المراد استعمالها في بناء هذا البروتين لا بد أن تكون من ذوات الروابط الالتصاقية المسماة : Peptide bonds   و نسبتها بين الأحماض هي ، كما أن هذه الأحماض توجد تركيباتها على أشكال يمينية و يسارية، أي أن منها ما يوجد ذراعها الذري المراد اتصاله بذرات الجزيئات الذرية الأخرى على اليمين، و أخرى ذراعها على الشمال، و اليسارية منها فقط هي التي تنفع في بناء البروتين، و النسبة مرة أخرى هي  و ننتهي رياضيا إلى المعادلة التالية :
1074x1045x1045=10164 . فإذا ما علمنا أن عمر الكون حسب غالبية علماء الفيزياء هو حوالي 14 مليار سنة مما يعني أن عدد الثواني التي مرت على الكون هي حوالي 16(4.5) أي حوالي 441504 تريليون ثانية، علمنا مدى تفاهة القول بالصدفة. و بمعنى آخر أننا نحتاج إلى كون بعمر يزيد بتريليونات أضعاف عمر كوننا كي نحصل على بروتين واحد صدفة !!!! فإذا كان هذا الرقم الخرافي الذي لا يستطيع إنسان أن يقرأه ، و لو نطق به لما فهمه أحد ،هو حساب احتمال الصدفة المتعلق ببروتين واحد في الخلية، فكيف سيكون رقم حساب احتمال الصدفة المتعلق بنظام الحامض النووي، و بالخلايا الوراثية التي تضم حوالي 25 ألف جين. !؟

في المقال القادم بحول الله سأركز على موضوع الطفرات الجينية Genetic Mutations  فهي ذريعة أخرى يتشبث بأهدابها أنصار الداروينية الحديثة. فإلى ذلكم الحين أستودعكم الله.

بعض المراجع:
The signature in the cell/  Stephen Myer
On the Origin of Genetic Code/ Doug Axe
Darwin's Doubt: The Explosive Origin of Animal Life and the Case for Intelligent Design
On the Origin of Species/ Charles Darwin
- "القضية ضد التطور والنشوء والارتقاء" ( The Case Against Evolution ) لمؤلفه " G.O.Toole ".
- "النباتات المنقرضة وعيوب نظرية التطور والنشوء والارتقاء" ( Extinct Plants and Problems of Evolution ) لمؤلفه " D. Scott ".
مغامرات مع الحلقات المفقودة" ( Adventures with the Missing Link ) ريموند دارت" ( Raymond Dart )
Evolution A theory in Crises / Micheal Denton
The Selfish Gene / Richard Dawkins
Popper, K.R., 1974. Scientific Reduction and the Essential Incompleteness of All Science  .


0 التعليقات:

إرسال تعليق